التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٠ - ٣ - الإنسان وظاهرة الإدراك
الإنسان جانبين، هو من أحدهما آخذ في الهبوط ومن الآخر آخذ في الصعود. ذاك سائر في الاكتمال، وهذا راجع في طريقه إلى الانتكاس.
* قديحصل نقص في عضو أو أعضاء من جسد الإنسان، فيصبح الجسم ناقصا لامحالة، لكن هذا النقص الجسدي لايؤثّر نقصا في ذات الإنسان، فهو هو بعد، على كماله الإنساني الأوّل، ليس الإنسان الذي فقد رجله أويده أو عضوا آخر من جسده خارجيّا كان أم داخليّا، إنسانا ناقصا في إنسانيّته، وإن كان ناقصا في هيكله الجسدي. ومن هنا نعرف أنّ في وجود الإنسان شيئين: روحا وجسدا، والنقص في أحدهما لايؤثّر نقصا فيالآخر.
وأمّا القولة المشهورة: العقل السليم في البدن السليم، فتعني: أنّ الآلة كلّما كانت أسلم كان العمل لها أتقن، نظرا لأنّ الروح يستخدم في فعالياته الحاضرة، آلات البدن مادام قيد هذا الجسد، فكلّما كان البدن أكمل وأنشط كان العمل به أيسر وأتمّ.
٣- الإنسان وظاهرة الإدراك
الإنسان في داخل وجوده ذوطاقة جبّارة، تختلف تماما عن قواه الجسديّة المحدودة. إنّه في جانب عقليّته يذهب إلى أبعاد شاسعة لانهاية لها، ويتحلّق في أجواء لاأمد لها، كما وينطلق إلى ماوراء المادّة وإلى آفاق واسعة، انطلاقة لاوقفة لها عند حدّ.
إنّه يدرك، وظاهرة الإدراك ذاته ظاهرة غير مادّية، إذ لايوجد فيها أيّ خاصيّة من خواصّ المادّة إطلاقا، إنّها لاتقبل انقساما إلى أبعاد ثلاثة. ولاتحمل ثقلًا ولاهي محدود بالجهات.
إنّه يدرك، وقسم من مدركاته تفوق حدود المادّة في جميع أبعادها ومميّزاتها بصورة مطلقة: إنّه يدرك معاني كليّة ليست تتحقّق خارجيا ألبتة. إنّه يفهم ملازمات عقليّة، والملازمة ذاتها لاوجود لها سوى طرفيها اللازم والملزوم. إنّه يعلم بأُمور غائبة عن الحسّ. ويفكّر في شؤون ماوراء الإحساس.