التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٢ - نقد الحديث سندا
هذا وقد شذّ ابن حجر في قوله: فيها ثلاث مراسيل رجالها ثقات على شرط الصحّة.
ثمّ أخذ يتهجّم على من زعمها مختلقة، قائلا: إذا كثرت الطرق وتباينت مخارجها، دلّ ذلك على أنّ لها أصلًا، قال: وتلك المراسيل يحتجّ بها ولو عند من لايحتجّ بالمراسيل، لاعتضاد بعضها ببعض.[١]
أقول: وهل الكذبة إذا راجت تنقلب في ماهيّتها وتصبح صادقة؟!
ثانيا: شهادة جلّ أئمة الحديث بكذب هذا الخبر، وأنّ الطرق إليه ضعاف واهية، فهو فيما يشتمل عليه من السند أيضا ساقط في نظر الفنّ.
قال ابن حجر نفسه: وجميع الطرق إلى هذه القصة- سوى طريق ابن جبير- إمّا ضعيف (يكون الراوي غير موثوق به أو مرميّا بالوضع والكذب) أو منقطع (أي كانت حلقة الوصل بين الراوي الأوّل والراوي الأخير مفقودة)[٢] وسنذكر أنّ بلاء طريق ابن جبير هو الإرسال والضعف أيضا.
وقال أحمد بن الحسين البيهقي- أكبر أئمّة الشافعيّة، مشهورا بدقّة النقد والتمحيص-: «هذا الحديث من جهة النقل غير ثابت ورواته مطعون فيهم».[٣]
وقال أبوبكر ابن العربي: «كلّ مايرويه الطبري في ذلك باطل لاأصل له»[٤] وصنّف محمد بن إسحاق بن خزيمة رسالة، فنّد فيها هذا الحديث المفتعل، ونسبه إلى وضع الزنادقة.[٥]
وقال القاضي عياض: «هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحّة، ولارواه ثقة بسند سليم متصل، وإنّما أولع به وبمثله المفسّرون والمؤرّخون المولعون بكلّ غريب، المتلقّفون من الصحف كلّ صحيح وسقيم. قال: وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلّق بذلك الملحدون مع ضعف
[١] - فتح الباري، ج ٨، ص ٣٣٣.
[٢] - المصدر.
[٣] - التفسير الكبير، ج ٢٣، ص ٥٠.
[٤] - فتح الباري، ج ٨، ص ٣٣٣.
[٥] - التفسير الكبير، ج ٢٣، ص ٥٠.