التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٧ - ٢٣ - سورة سبأ مكية
قلت: سياق الآية عام، وهي مرتبطة مع بقيّة الآيات، سابقة ولاحقة. يبدو ذلك لأدنى مراجعة إلى السورة.
نعم يجوز نزول آية مرّة ثانية لمناسبة تستدعي ذلك، الأمر الذي حدث في كثير من آيات سوف ننبّه عليها. ويحتمل أنّ المحاورة المذكورة بلغت النبيّ صلى الله عليه و آله فقرأ الآية الكريمة، تطبيقا مع المورد، فقد فسق الوليد هذا في آيات اخرى، ونزلت: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا»[١] بشأنه الخاصّ، أخرجه جلالالدين بأسانيد رجالها ثقات.[٢]
٢٣- سورة سبأ: مكّية
استثني منها قوله تعالى: «وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَ يَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ».[٣]
هذه الآية إشارة إلى أنّ أهل العلم الواقعيين يؤمنون بهذا الكتاب إيمانا صادقا عن علم و يقين، ولاشكّ أنّ الأمر كذلك، فالنابهون العقلاء وأرباب الفضيلة والكمال، لايتردّدون في الإيمان بهذا الكتاب العزيز الذي لاريب فيه، فور معرفتهم به. وهذا شأن كلّ حقّ صريح. وهكذا رجّح هذا المعنى العلّامة الطبرسي، قال: وهذا أولى، لعمومه ... قال:
لأنّهم يتدبّرونه و يتفكّرون فيه، فيعلمون بالنظر والاستدلال أنّه ليس من قبل البشر.[٤]
لكن أباجعفر الطبري فسّر الآية- ابتداءً- بمسلمي أهل الكتاب كعبداللّه بنسلام ونظرائه.[٥] ومن ثمّ زعم بعضهم أنّ الآية مدنية نزلت بعد إِسلام هؤلاء.[٦]
هذا ... وأبوجعفر لم يستند في تفسيره ذلك إلى نقل مأثور[٧] وإنّما نقل عن قتادة: أنّهم أصحاب محمد صلى الله عليه و آله السابقين الأوّلين ممّن وجدوا الإسلام حقيقة ناصعة فاحتضنوها عن معرفة ويقين. فنقله يختلف عن رأيه هو!
[١] - الحجرات ٦: ٤٩.
[٢] - لباب النقول، ج ٢، ص ٨٠- ٨٢؛ وأخرجه أيضا أصحاب مجاميع معتبرة فراجع.
[٣] - سبأ ٦: ٣٤.
[٤] - مجمع البيان، ج ٨، ص ٣٧٨- ٣٧٩.
[٥] - جامع البيان، ج ٢٢، ص ٤٤.
[٦] - الإتقان: ج ١، ص ١٦.
[٧] - وفي مجمع البيان: ج ٨، ص ٣٧٨: أنّه قول الضحّاك.