التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٠ - منهج زيد
ذاك- أن ينتدب لذلك من تتوفّر فيه شرائط القيام بهذه المهمّة الخطيرة، فوقع اختيارهم على زيدبن ثابت، وهو شابّ حدث فيه مرونة حداثة السنّ، وله سابقة كتابة الوحي أيضا.
فقد ملك الجدارة الذاتيّة من غير أن يخشى منه على جوانب الخلافة الفتيّة في شيء، كما كان يخشى من غيره من كبار الصحابة، وفيهم شيء من المناعة والجموح وعدم الانقياد التامّ لميول السلطة واتجاهاتها آنذاك.
قال زيد: أرسل إليّ أبوبكر بعد مقتل أهل اليمامة، وعمر جالس عنده. قال: إنّ هذا- وأشار إلى عمر- أتاني وقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وأخاف أن يستحرّ بهم القتل في سائر المواطن فيذهب كثير من القرآن وأشار عليّ بجمع القرآن.
فقلت لعمر: كيف نفعل مالم يفعله رسولاللّه صلى الله عليه و آله؟ فقال: هو واللّه خير. فلم يزل يراجعني عمر حتى شرح اللّه صدري لذلك، ورأيت الذي رأى عمر!
قال زيد: قال لي أبوبكر: إنّك شابّ عاقل لانتّهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسولاللّه صلى الله عليه و آله فتتبّع القرآن واجمعه.
قال زيد: فواللّه لو كلّفوني نقل جبل من مكانه لم يكن أثقل عليّ ممّا كلّفوني به. قلت:
كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسولاللّه صلى الله عليه و آله؟ فلم يزل أبوبكر وعمر يلحّان عليّ حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبيبكر وعمر.
قال زيد: فقمت أتتبّع القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال.[١]
منهج زيد
قام زيد بتنفيذ الفكرة، فجمع القرآن من العسب واللخاف والأدم والقراطيس، وكانت متفرّقة على أيدي الصحابة أو في صدورهم، وعاونه على ذلك جماعة.
وأوّل عمل قام به: أن وجّه نداء عاما إلى ملأ الناس: «من كان تلقّى من رسولاللّه صلى الله عليه و آله
[١] - صحيح البخاري، ج ٦، ص ٢٢٥؛ والمصاحف، ص ٦؛ والكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٥٦ وج ٢، ص ٢٤٧؛ والبرهان للزركشي، ج ١، ص ٢٣٣.