التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥ - ٥ - اتكاء على دلائل من خارج النص
يسوقها لحن الأداء، لاهمسا وراء ستار الخفاء.
هذا مضافا إلى لحن الأداء المرعى في تعابيره إمّا تقريع أو تعنيف. تهديد أو تهويل.
تبشير أو إنذار. تحسّر أو تحزّن وما شاكل، يتكفّله اللهج الصوتي المتناسب مع أحدها لا القراءة همسا.
الأمر الذي تغافله من زعم صياغة القرآن كتبا، لا حماسةً في خطاب!
وقد قيل- قديما-: القرآن، إنّما هو بقراءته لا بكتابته.
٥- اتّكاء على دلائل من خارج النصّ
الكلام إذا كان في صياغة كتاب فلابدّ أن تتوفّر دلائله في ذات التعبير، مسبقا أو ملحقا أو في الأثناء (قرائن متّصلة مرفقة) ولا يجوز الاتّكال على قرائن منفصلة.[١] الأمر الذي يجوز إذا كان الكلام في صياغة خطاب. والقرآن من هذا القبيل. والمعتمد في فهم معانيه غالبيّا على معرفة أسباب النزول.
لايجوز لمن ألّف كتابا أو صنّف رسالة أن يعتمد لفهم مغالقه على معهودات خاصّة لا حضور لها عند العموم. ذلك أنّ خطابه عام ونداءه شامل لا يخصّ من حضر تلك الدلائل بالذات. أمّا القرآن فقد اعتمد في بيان معانيه وإدلاء مقاصده كثيرا على دلائل منفصلة عن النصّ عرفت بأسباب النزول، لا محيص لمعرفة معاني القرآن عن العلم بها مسبقا.
ولأصبح النصّ مبهما إذا لم يعرف سبب النزول.
خذ مثلًا قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ».[٢] فمن لم يعرف شأن نزولها حسب من ظاهر التعبير (لاجناح) أنّ نسك السعي ليست فريضة واجبة. لكنّه إذا عرف أنّها نزلت بشأن أُولئك المؤمنين الذين تحرّجوا من السعي بين الصفا والمروة- بعد أن اعيدت
[١] - وممّا يجدر التنبّه له: أنّ القرينة العقلية- كدليل الحكمة- إذا كانت بيّنة، تعدّ من القرائن المتصلة المرفقة وليست بمنفصله عن النصّ، فليتدبّر!
[٢] - البقرة ١٥٨: ٢.