التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٠ - التنزيل والتأويل
ومن ثمّ قال الإمام أبوجعفر- بعد أن تلا الآية-: «نحن نعلمه» أي التأويل[١] وفي رواية اخرى: «تعرفه الأئمّة».[٢]
قال تعالى: «وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ».[٣]
هذه الآية نموذج من الآيات ذوات الوجهين، لها تنزيل ولها تأويل، ظهر وبطن، وإنّما يعلم سرّها الكامن العامّ اولوا البصائر في الدين الأئمّة المعصومون عليهمالسلام.
هذه الآية تبدو- في ظاهرها- متعارضة مع آيات توجب التوجّه في الصلاة شطر المسجد الحرام.[٤] ولكن مع ملاحظة سبب النزول، وإنّه دفع لشبهة اليهود ورفع لارتيابهم في تحويل القبلة، يتبيّن أن لامعارضة، ويرتفع الإبهام عن وجه الآية. ذلك أنّ الاستقبال في الصلاة والعبادات أمر اعتباري محض، ينوط باعتبار صاحب الشريعة في مصالح يراها مقتضية حسب الأحوال والأوضاع، وليس وجه اللّه محصورا في زاوية القدس الشريف أو الكعبة المكرّمة.
وبذلك تنحلّ مشكلة الآية وترتفع إبهامها، وأن ليس ترخيصا في الاتجاه بسائر الجهات.
هذا .. وقد فهم الأئمة عليهمالسلام أمرا آخر أيضا، استخرجوه من باطن الآية، حيث تأويلها المستمرّ. وأنّها تعني جواز التطوّع بالنوافل إلى حيث توجَّهت به راحلتك، أو اشتبهت القبلة، فتصلّي إلى أيّ الجهات شئت. هكذا وجدنا صراحة الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام.[٥]
قال سيّدنا الطباطبائي قدس سره: إنّك إذا تصفّحت كلمات الأئمة عليهمالسلام في عموم القرآن وخصوصه، و مطلقه ومقيّده، لوجدت كثيرا ما، استفادة حكم من عموم الآية، ثمّ استفادة
[١] - بصائر الدرجات، ص ١٩٦، ح ٧.
[٢] - المصدر، ح ٨.
[٣] - البقرة ١١٥: ٢.
[٤] - البقرة ١٤٤: ٢ و ١٤٩ و ١٥٠.
[٥] - راجع: وسائل الشيعة، باب ٨ و ١٥ من أبواب القبلة، ج ٣، ص ٢٢٥ و ٢٣٩؛ وتفسير العياشي، ج ١، ص ٥٦- ٥٧.