التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤١ - ٣٨ - سورة المزمل مكية
الاصبهاني.[١] لكن الآيتين تصبير للنبيّ صلى الله عليه و آله تجاه أذى المشركين، وتوعيد بهم، فهما من آيات الصفح المكّية، ولا وجه لعدّهما مدنيّتين.
وحكى ابن الغرس استثناء قوله: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ (إلى قوله:) إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».[٢]
قال جلالالدين: ويردّه ماأخرجه الحاكم: أنّه نزل بعد نزول صدرالسورة بسنة، وذلك حين فرض قيام الليل في أوّل الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس[٣] وهكذا أخرج عبد بنحميد عن عكرمة، قال: لبث المسلمون بعد نزول: «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ ...» سنة فشقّ عليهم و تورّمت أقدامهم، حتى نسختها آخر السورة: «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ».[٤]
قلت: تمسّك القائل بمدنيّة الآية، بأنّ الصلاة والزكاة لم تفرضا بمكة[٥] هو استدلال غريب، لأنّ الصلاة هي اولى فريضة فرضت بمكة[٦] أمّا الزكاة فليست هي الزكاة المفروضة بحدود وأنصبة مقرّرة، وإنّما هي مطلق التصدّق الذي كان واجبا حينذاك، كما في قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ»[٧] وقوله: «الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ».[٨]
نعم جاءت تفاصيل حدودها وأحكامها بالمدينة، أمّا أصلها فكانت واجبة بمكة بلاشك.
وليته تمسّك بقوله: «وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» والقتال لميشرّع أصلا إِلّا بالمدينة.
لكنّه على تقدير أن يراد بالقتال: هو مايقع فعليّا، لاما سيفرض وسيقع بعد ذلك! والاحتمال الثاني أوجه، نظرا إلى أنّه تعالى- في هذه الآية- يذكر أسباب رفع ذلك التكليف الأوّل الشديد و تبديله إلى تكليف آخر خفيف. ومن تلك الأسباب تشريع القتال بعدئذ، من غير أن يكون هنا دليل صريح على إرادة فعليّته حينذاك.
[١] - الإتقان، ج ١، ص ٤٦.
[٢] - المزّمّل ٢٠: ٧٣.
[٣] - الإتقان، ج ١، ص ٤٦.
[٤] - الدرّ المنثور، ج ٦، ص ٢٨٠.
[٥] - مجمع البيان، ج ١٠، ص ٣٨٢.
[٦] - راجع: السيرة لابن هشام، ج ١، ص ٢٥٩.
[٧] - المؤمنون ٤: ٢٣
[٨] - فصّلت ٧: ٤١.