التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١١ - النبوة مقرونة بدلائل نيرة
ينزغ به الشيطان؟ فقال عليه السلام: «إنّ اللّه إذا اتخذ عبدا رسولًا، أنزل عليه السكينة والوقار- أي الطمأنينة والاتزان الفكري- فكان الذي يأتيه من قبل اللّه، مثل الذي يراه بعينه»[١] أي يجعله في وضح الحقّ، لاغبار عليه أبدا، فيرى الواقع ناصعا جليّا لايشكّ ولايضطرب في رأيه ولا في عقله. وقد أوضح الإمام عليه السلام ذلك في حديث آخر، سئل عليه السلام: كيف علمت الرسل أنّها رسل؟ قال: «كشف عنهم الغطاء» ...[٢]
قال العلّامة الطبرسي: «إنّ اللّه لايوحي إلى رسوله إلّا بالبراهين النيّرة والآيات البيّنة، الدالّة على أنّ مايوحى إليه إنّما هو من اللّه تعالى فلايحتاج إلى شيء سواها، ولايفزع ولايفرق».[٣]
وقال القاضي عياض: «لايصحّ- أي في حكمته تعالى، وهو إشارة إلى قاعدة اللطف- أن يتصوّر له الشيطان في صورة الملك، ويلبس عليه الأمر، لافي أوّل الرسالة ولابعدها. والاعتماد- أي اطمئنان النبيّ- في ذلك دليل المعجزة. بل لايشك النبيّ صلى الله عليه و آله أنّ ما يأتيه من اللّه هو الملك ورسوله الحقيقي إمّا بعلم ضروريّ يخلقه اللّه له، أو ببرهان جليّ يظهره اللّه لديه. لتتمّ كلمة ربّك صدقا وعدلا لامبدّل لكلمات اللّه».[٤]
إذن فلابدّ أن يكون النبيّ صلى الله عليه و آله حين انبعاثه نبيّا على علم يقين، بل عين يقين من أمره، لايشكّ ولايضطرب، مستيقنا مطمئنّا باله مرعيّا بعناية اللّه تعالى ولطفه الخاص، منصورا مؤيّدا، ولاسيّما في بدء البعثة فيأتيه الناموس الأكبر وهو الحقّ الصراح معاينا مشهودا، وهي موقعيّة حاسمة لاينبغي لنبيّ أن يتزلزل فيها أو يتروّع في موقفه ذلك الحرج العصيب: «إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ».[٥]
وأيضا فإنَّ النبيّ صلى الله عليه و آله لم يختره اللّه لنبوّته، إلّا بعد أن أكمل عقله وأدّبه فأحسن تأديبه. وعرّفه من أسرار ملكوت السماوات والأرض مايستأهله للقيام بمهمّة السفارة
[١] - تفسير العياشي، ج ٢، ص ٢٠١، ح ١٠٦؛ وبحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٦٢، ح ١٦.
[٢] - بحار الأنوار، ج ١١، ص ٥٦، ح ٥٦.
[٣] - مجمع البيان، ج ١٠، ص ٣٨٤.
[٤] - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج ٢، ص ١١٢.
[٥] - النمل ١٠: ٢٧.