التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٦ - قصة ورقة بن نوفل
ألم تكن الرؤيا الصادقة التي سبقت البعثة، ولم يكن تسليم الملك النازل عليه حينها:
السلام عليك يا رسولاللّه. وتسليم الشجر والحجر كلّما مرّ بهما في طريقه راجعا إلى بيت خديجة. ولم يكن عرفانه الذاتي الذي كان يتعمّقه مدّة اختلائه بحراء. كلّ ذلك لميستوجب استيقانه بالأمر، ليستيقن من طمأنة امرأة أو رجل متنصّر!! إن هذا إلّا إزراء فظيع بمقام رسالة اللّه، إن لم يكن مسّا شنيعا بكرامة رسولاللّه صلى الله عليه و آله المنيعة.
ثالثا: اختلاف سرد القصّة، بما لايلتئم مع بعضها البعض، لدليل على كذبها رأسا. ففي رواية: انطلقت خديجة لوحدها إلى ورقة، فأخبرته بما جرى. وفي أُخرى: انطلقت بي إلى ورقة وقالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني فأخبرته، فقال: هذا الناموس الذي انزل على موسى. وفي ثالثة: لقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالبيت فقال: يابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت. فأخبره رسولاللّه صلى الله عليه و آله. فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنَّك لنبيّ هذه الامَّة. ولئن أدركت ذلك لأنصرنّ اللّه نصرا يعلمه. وفي رابعة: عن ابن عباس عن ورقة بن نوفل. قال: قلت: يامحمد أخبرني عن هذا الذي يأتيك، يعني جبرائيل عليه السلام فقال: يأتينى من السماء جناحاه لؤلؤ وباطن قدميه أخضر.[١] وهذا ليس في روايات خديجة مع ورقة.
على ما جاءت في الصحاح المتقدّمة. وفي خامسة: إنّ أبابكر دخل على خديجة، فقالت: انطلق بمحمد إلى ورقة، فانطلقا فقصّا عليه ...[٢]
ثمّ لو صحّت القصّة، فلماذا لم يؤمن به ورقة، حين ذاك وقد علم أنّه نبيّ مبعوث؟!
فقد صحّ أنّه مات كافرا لميؤمن به. قال سبط ابن الجوزي: هو آخر من مات في الفترة (السنوات الأُولى بعد البعثة) ودفن بالحجون. قال: فلم يكن مسلما. وهكذا روي عن ابن عباس: أنّه مات على نصرانيّته.[٣] وقضيّة رؤيا النبيّ صلى الله عليه و آله: كان ورقة في ثياب بيض؛ أيضا مكذوبة وسندها مقطوع. وإلّا لسُجّل اسمه فيمن آمن به. قال ابن عساكر: لاأعرف أحدا
[١] - أُسد الغابة، ج ٥، ص ٨٨ والرواية ضعيفة بروح بن مسافر. ولم يدرك ابنعباس ورقة.
[٢] - الإتقان، ج ١، ص ٧١.
[٣] - راجع: السيرة الحلبيّة، ج ١، ص ٢٥٠.