التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٨ - الوحي لايحتمل التباسا
حقيقة حاضرة بعين نافذة. فاحتمال الخطأ فيه مستحيل.
تلك طريقة علميّة فلسفيّة[١] تهدينا إلى الاعتراف بعدم احتمال الوحي الخطأ أبدا.
ومن ثمّ فإنّ شريعة اللّه النازلة على أيدي رسله الأُمناء، مصونة عن احتمال الخطأ رأسا.
وهناك طريقة اخرى عقليّة تحتّم لزوم عصمة الأنبياء، فيما يبلّغون من شرائع اللّه، يفصّلها علماء الكلام. وتتلخّص في أنّ النبيّ المبلّغ عن اللّه، يجب- في ضوء قاعدة اللطف- أن ينعم بصحّة كاملة في أجهزة إحساسه، وسلامة تامّة في قوى مشاعره، وفي مقدرته العقليّة، فيكون مستقيما في آرائه ونظريّاته، معتدلًا في خلقه وسيرته، مستويا في خلقته وصورته. وبكلمة جامعة: يجب أن يختار اللّه لرسالته إنسانا كاملًا في خَلْقه وخُلُقه. كي لايتنفّر الناس من معاشرته، ويطمئنّوا إلى مايبلّغه عن اللّه. وإلّا كان نقضا لغرض التشريع.
فالنبيّ صلى الله عليه و آله معصوم من الخطأ والنسيان، ولاسيّما فيما يخصّ تبليغ أحكام الشريعة.
وهذا إجماع من المسلمين ومن غيرهم من عقلاء أذعنوا برسالة الأنبياء. ولولاه لكان الالتزام بشرائع الدين سفها يأباه العقل.[٢]
هذا مضافا إلى ما عهداللّه لنبيّه بالرعاية والحفظ: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى».[٣] كان صلى الله عليه و آله في بدء نزول القرآن، يخشى أن يفوته شيء فكان يساوق جبرائيل فيما يلقي عليه كلمة بكلمة فنهي عن ذلك: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ»[٤] وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»[٥] قال ابنعباس: فكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله بعد ذلك إذا أتاه جبرائيل استمع له، فإذا انطلق قرأ كما أقرأه،[٦] وأخيرا فإنَّ قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»[٧] يقطع أيّ
[١] - راجع: ماكتبه الأُستاذ العلّامة الطباطبائي بهذا الصدد في رسالة الوحي« وحي يا شعور مرموز»، ص ١٠٤.
[٢] - راجع: مباحث العصمة من شرح تجريد الاعتقاد: المسألة الثالثة من المقصد الرابع من مباحث النبوّة العامة، ص ١٩٥.
[٣] - الأعلى ٦: ٨٧.
[٤] - القيامة ١٦: ٧٥- ١٩.
[٥] - طه ١١٤: ٢٠.
[٦] - الطبقات، ج ١، ص ١٣٢.
[٧] - الحجر ٩: ١٥.