التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - ٢ - سورة الأنعام مكية
أوقع هذا القائل في الوهم المذكور ما وجده في قوله تعالى: «تَجْعَلُونَهُ ...» على وجه الخطاب. ولكن الأصوب من القراءة أنّها بياء الغيبة.[١]
قلت: ونحن إذ نصادق أباجعفر في هذا التحقيق، نضيف إليه: أنّ القصة التي ذكروها بشأن مالك بن الصيف في محاورته تلك مع النبيّ صلى الله عليه و آله تتنافى تماما مع خُلق رسول اللّه الكريم، النبيّ لايجرح من عاطفة إنسان إطلاقا، كما وننزّه كتاب اللّه العزيز عن التعرّض لهكذا امور تافهة لاقيمة لها، أو تنزل بشأنها آية!!
إذن فقوله: «وَ عُلِّمْتُمْ ...» خطاب موجّه إلى المشركين، بعد تلك الحكاية- بصورة الغيبة كما رجّحها أبوجعفر- عن أهل الكتاب.
وأمّا القراءة المشهورة بتاء الخطاب في الجميع، فلاتستدعي اختصاص الخطاب بأهل الكتاب، بل إلى البشرية باعتبار فعل بعضهم ممّن نزل عليهم الكتاب. ولاسيّما ومساس العرب المشركين مع اليهود ومخالطتهم معهم في الجزيرة، ومن ثمّ جاء الكلام عن بني إسرائيل في سور مكّية كثيرا، كما في سورة الأعراف.[٢]
ويشهد بذلك قوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»[٣] خطابا مع أهل مكة، وسورة الأنبياء المكّية ايضا.[٤] وقد كان للعرب صلة وثيقة وثقة بأهل الكتاب، ويعرفونهم أهل علم وثقافة، وكثيرا مايسألونهم عن تاريخ الأُمم والأنبياء ويعتمدون كلامهم، فجاز أن يخاطبوا بخطاب اليهود المجاورين لهم المخالطين معهم الموثوق بهم عندهم!
الرابعة: قوله تعالى: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ».[٥]
قالوا: نزل قوله تعالى: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ...» في عبداللّه بنسعد بن أبيسرح أخي عثمان من الرضاعة. وكان أسلم وكتب الوحي لرسولاللّه صلى الله عليه و آله ولمّا نزلت: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا
[١] - جامع البيان، ج ٧، ص ١٧٨. وهكذا وافقه سيد قطب في« في ظلال القرآن، ج ٧، ص ٣٠٢- ٣٠٣».
[٢] - الآية: ١٠٢ و ١٦٠.
[٣] - النحل ٤٣: ١٦.
[٤] - الآية: ٧.
[٥] - الأنعام ٩٣: ٦.