التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٥ - جانب روحانية الإنسان
العالم أجمع، لولا أن انتهضت الفكرة الروحية في أمريكا ومنها سرت إلى اروبا كلّها فجعلت مسألة الوحي تحيى من جديد.
قال الأُستاذ وجدي: كان الغربيّون إلى القرن السادسعشر كجميع الأُمم المتديّنة يقولون بالوحي، وكانت كتبهم مشحونة بأخبار الأنبياء، فلمّا جاء العلم الجديد بشكوكه ومادّياته، ذهبت الفلسفة الغربيّة إلى أنّ مسألة الوحي، هي من بقايا الخرافات القديمة، وتغالت حتى أنكرت الخالق والروح معا، وعلّلت ماورد عن الوحي في الكتب القديمة بأنّه إمّا اختلاق من المتنبأة أنفسهم لجذب الناس إليهم وتستخيرهم لمشيئتهم، وإمّا هذيان مرضي يعتري بعض العصبيّين، فيخيّل إليهم أنّهم يرون أشباحا، تكلّمهم وهم لايرون في الواقع شيئا.
راج هذا التعليل في العالم الغربي، حتى صار مذهب العلم الرسمي. فلمّا ظهرت آية الروح في أمريكا سنة ١٨٤٦ م وسرت منها إلى اروبا كلّها، وأثبت الناس بدليل محسوس وجود عالم روحانيّ آهل بالعقول الكبيرة والأفكار الثاقبة، تغيّر وجه النظر في المسائل الروحانيّة، وحييت مسألة الوحي بعد أن كانت في عداد الأضاليل القديمة. وأعاد العلماء البحث فيها على قاعدة العلم التجريبي المقرّر، لاعلى اسلوب التقليد الديني، ولا من طريق الضرب في مهامّ الخيالات، فتأدّوا إلى نتائج، وإن كانت غير ماقرّره علماء الدين الإسلامي، إلّا أنّها خطوة كبيرة في سبيل إثبات أمر عظيم كان قد احيل إلى عالم الأُمور الخرافيّة.[١]
جانب روحانيّة الإنسان
قلنا: إنَّ موجةً إلحاديّة لم تطل غير قرنين، كادت تطبق العالم المتمدّن، لولا أن قام في وجهها واقع الأمر، الذي تجلّى أخيرا على محيي العلم، فانقاد له العلماء المحقّقون أجمع، ومن ثمّ اندحرت تلك الفكرة الإلحاديّة، وتراجعت القهقرى تراجعا مع الأبد.
غير أنّنا نجد أنفسنا في ضرورة النظر إلى أدلّة أقامها فلاسفة قدماء ومحدّثون، بشأن
[١] - دائرة معارف القرن العشرين، ج ١٠، ص ٧١٣.