التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٩ - أسطورة الغرانيق
احتمال الدسّ والتزوير في نصوص القرآن الكريم.
وأمّا احتمال تلبيس إبليس ليتدخّل فيما يُوحى إلى النبيّ صلى الله عليه و آله ويجعل من تسويلاته الشيطانيّة في صورة وحي ويلبسه على النبيّ صلى الله عليه و آله ليزعمه وحيا من اللّه، فهو أمر مستحيل.
لأنّ الشيطان لايستطيع الاستحواذ على عقليّة رسل اللّه وعباده المكرمين: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ».[١] ومتناف مع قوله تعالى: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ...».[٢] وقوله تعالى: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى».[٣] وقد قال الشيطان: «وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي»[٤] ومتناف مع قاعدة اللطف الآنفة، ومتناقض مع حكمته تعالى في بعث الأنبياء عليهم السلام في شرح سبق تفصيله.
نعم ذهب أصحاب الحديث من العامّة إلى إمكان استحواذ الشيطان على عقليّة الرسول صلى الله عليه و آله كما جاءت روايتهم لقصّة الغرانيق، الأمر الذي نراه مستحيلا إطلاقا، ومن ثمّ فهي أُسطورة وضعها من يريد الإمتهان بمقام الرسالة، ليعبّر بها على عقول البسطاء، فكانت غنيمة بأيدي أعداء الإسلام. وإليك نصّ الأُسطورة ونقدها تباعا:
أُسطورة الغرانيق
روى ابن جرير الطبري بإسناد زعمها صحيحة، عن محمدبن كعب، ومحمد بن قيس، وسعيد بن جبير، وابن عباس، وغيرهم: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان في حشد من مشركي قريش، بفناء الكعبة، أو في ناد من أنديتهم. وكانت تساوره نفسه لو يأتيه شيء من القرآن يقارب بينه وبين قومه الألدّاء. إذ كان يتألّم من مباعدتهم، وكان يرجو الائتلاف معهم مهما كلّف الأمر. فلمّا نزلت عليه سورة النجم، فجعل يتلوها حتى إذا بلغ: «أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ
[١] - الإسراء ٦٥: ١٧.
[٢] - الحاقة ٤٤: ٦٩- ٤٥.
[٣] - النجم ٣: ٥٣- ٥.
[٤] - إبراهيم ٢٢: ١٤.