التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٩ - الوحي في القرآن
إعلام قولي لإعلام ذاتي، بجامع الخفاء في كيفية الإلقاء و التلقّي، فبما أنّ الوحي إعلام سرّي، ناسب استعارته لكلّ شعور باطني فطري. و منه قوله تعالى: «وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا»[١] فهي تنتهج وفق فطرتها، وتستوحي من باطن غريزتها، مذلّلة لما اودع فيها من غريزة العمل المنتظم، و من ثمّ فهي لاتحيد عن تلك السبيل.
و من ذلك أيضا قوله تعالى: «وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها»[٢] أي قدّر. و قد استوحى العجّاج هذا المعنى من القرآن في قوله:
|
وحى لها القرار فاستقرّت |
وشدّها بالراسيات الثُبَّتِ[٣] |
|
٣- إلهامٌ نفسي، و هو شعور في الباطن، يحسّ به الإنسان إحساسا يخفى عليه مصدره أحيانا، و أحيانا يُلهِم أنّه من اللّه. و قد يكون من غيره تعالى.
و هذا المعنى هو المعروف عند الروحيّين بظاهرة التلباثي (التخاطر من بعيد) و هو خطور باطني آني لايعرف مصدره. قالوا: إنّها فكرة تنتقل من ذهن إنسان إلى آخر والمسافة بينهما شاسعة أو إلقاء روحي من قِبل أرواح عالية أو سافلة.[٤] وقيل: إنّها فكرة رحمانية توحيها الملائكة، تنفثها في روع إنسانٍ يريداللّه هدايته، أو وسوسة شيطانية تلقيها أبالسة الجنّ لغرض غوايته.
ومن الإلهام الرحماني قوله تعالى: «وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ».[٥]
قال الأزهري: الوحي هنا إلقاء اللّه في قلبها. قال: وما بعد هذا يدلّ- واللّه أعلم- على أنّه وحيٌ من اللّه على جهة الإعلام، للضمان لها «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ». وقيل: إنّ معنى الوحي هنا الإلهام. قال: وجائز أن يلقي اللّه في قلبها أنّه مردود إليها وأنّه يكون مرسلًا. ولكن
[١] - النحل ٦٨: ١٦ و ٦٩.
[٢] - فصّلت ١٢: ٤١.
[٣] - لسان العرب، ج ١٥، ص ٣٨٠.
[٤] - راجع: مطوّل الإنسان روح لاجسد للرؤف عبيد، ج ١، ص ٥٤٢.
[٥] - القصص ٧: ٢٨.