التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٧ - اختلاف المصاحف
اختلاف المصاحف
كانت الغاية من إرسال المصاحف إلى الآفاق، هي رعاية جانب وحدة الكلمة لئلّا تختلف، وليجتمع المسلمون على قراءة واحدة ونبذ ماسواها. فكان يجب أن تكون هذه المصاحف مستنسخة على نمط واحد، وأن تكون موحّدة من جميع الوجوه.
ومن ثمّ كان يجب على أعضاء المشروع أن يتحقّقوا من وحدتها ويقابلوا النسخ مع بعضها في دقّة كاملة.
غير أنّ الواقعيّة بدت بوجه آخر، وجاءت المصاحف يختلف مع بعضها البعض. كان المصحف المدنيّ يختلف عن المصحف المكّي، والمصحف المكّي يختلف عن الشاميّ، وهذا عن البصريّ، والكوفيّ وهكذا. الأمر الذي يدلّ بوضوح أنّ اللجنة تساهلت في أمر المقابلة- أيضا- فلم يأخذوا بالدقّة الكاملة في جانب توحيد المصاحف المرسلة إلى الآفاق.
وصار هذا الاختلاف في المصاحف، من أهمّ أسباب نشوء الاختلاف القرائي فيما بعد، وفتح باب جديد لاختلاف القراءات في حياة المسلمين.
كان قاري كلّ مصر ومقرئها يلتزم- طبعا- بقراءة مافي مصحفهم من نصّ. وكان عليه أيضا أن يختار نوع الحرف والشكل حسب مايبدو له من ظاهر الكلمة المثبتة في المصحف بلا نقط ولاتشكيل. ومن ثمّ كانت السلائق والمذاويق، وكذلك الأنظار والأفهام تختلف في هذا الاختيار.
أمّا الرواية والسماع عن الشيخ، فهي لاتنضبط تماما وفي جميع الوجوه إذا لمتكن مثبتة في سجلّ أو في نصّ المصحف ذاته. فلابدّ أن يقع فيها خلط أو اشتباه من جانب النقل أو السماع، ولاسيّما إذا طالت الفترة بين الشيخ الأوّل والقارئ الأخير.
ومن ثمّ ظهرت قراءة مكة وقراءة المدينة وقراءة البصرة وقراءة الكوفة وقراءة الشام. وهكذا ... الأمر الذي كان كرّا على مافرّوا منه!
وزعم الزرقاني أنّ هذا الاختلاف في النصّ كان عن عمد منهم وعن قصد، لحكمة