التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٦ - تجربة روحية
شيء. وهذا معنى قوله صلى الله عليه و آله: «فيفصم عنّي وقد وعيت».
والسبب في ذلك: أنّ الوحي في صورة المباشرة كان يخالط لبّه، ويتسرّب إلى أعماق وجوده صلى الله عليه و آله بما أنفذه اللّه في قلبه الكريم «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى».[١]
وبهذا يتضح معنى الحديث الذي رواه ابن أبي سلمة عن عمّه، أنّه بلغه أنّ رسولاللّه صلى الله عليه و آله كان يقول: «كان الوحي يأتيني على نحوين، يأتيني جبرائيل فيلقيه عليّ، كما يلقي الرجل على الرجل،[٢] فذلك الذي يتفلّت منّي. ويأتيني في شيء[٣] مثل صوت الجرس، حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لايتفلّت منّي».[٤]
قوله صلى الله عليه و آله: فذلك الذي يتفلّت منّي، أي الذي كان يكاد يتفلّت منه، لأنّه كان سماعا مباشرا من ملك الوحي، وسرعان ماينسى الإنسان مايسمعه من غيره إذا لم يعه وعيا.
فهذا النمط من الوحي كان بمعرض النسيان وخوف التفلّت- كما هو شأن السماع المجرّد إذا لم يتقيّد بالكتابة في وقته- لاأنّه كان يتفلّت منه بالفعل. أمّا في صورة الوحي المباشر فحيث كان يخالط لبّه وينفذ في أعماق قلبه الكريم، فلم يكن يخشى عليه التفلّت أصلًا.
هذا وقد وقع بعض الباحثين، في خلط من هذا الحديث[٥] ورفضه آخرون. لكن المعنى على ماذكرنا صحيح، توافقه سائر الأحاديث.
تجربة روحيّة
رأينا من المناسب أن نأتي هنا بذكر شاهد واحد من مئات الشواهد، والتي مرّت الإشارة إليها على صحّة وجود النفس، وأنّ للإنسان روحا مستقلّة عن الجسم، وهي لاتنحلّ بانحلاله، ويمكنها الاتصال بعالم ماوراء المادّة ... وهي طريقة التنويم الصناعي أو التنويم المغناطيسي. وهذه التجربة حضرها الأُستاذ الشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني
[١] - الأعلى ٦: ٨٧.
[٢] - أي كما يلقي الرجل بكلامه على صاحبه. وهذا هو الصورة الثانية ممّا تقدّم.
[٣] - أي الوحي ذاته يأتيني بلاتوسيط ملك. وهي الصورة الأُولى ممّا تقدّم.
[٤] - الطبقات، ج ١، ص ١٣١.
[٥] - فتح الباري، ج ١، ص ١٨.