التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٣ - الطريق إلى معرفة أسباب النزول
وأخرج الشيخان (البخاري ومسلم) عن المسيّب، قال: لمّا حضرت أباطالب الوفاةُ دخل عليه النبيُّ صلى الله عليه و آله وعنده أبوجهل وعبداللّه بنأبيّ اميّة، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: أي عمّ قل: لا إله إِلّا اللّه، أُحاجّ لك بها عند اللّه. فقال: أبوجهل وعبداللّه: يا أباطالب، أترغب عن ملّة عبدالمطلب؟ فقال النبيّ صلى الله عليه و آله لأستغفرنّ لكَ مالم أُنْهَ عنك. فنزلت «ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ».[١]
ويفنّد هذه المزعومة، بل المكذوبة المفتعلة، أنّ أباطالب رحمهالله مات قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان عضدا قويّا لرسولاللّه صلى الله عليه و آله أمّا آية براءة فإنّها نزلت في سنة التسع من الهجرة، أي بعد وفاة أبيطالب باثنتي عشرة سنة. هذا فضلًا عن الدلائل الوفيرة على إسلام أبي طالب، ذكرناها في مجالها المناسب. ولايقول بكفره إِلّا ذوو الأحقاد على الإسلام والمسلمين أحقاد بدر وحنين!
وقد لجأ السيوطي إلى افتراض نزول الآية مرّتين.[٢]
وأسبقنا الكلام عن هذه الآية فيما قيل من استثناء آيات مكّية من سورة براءة المدنيّة.
وأخرج البخاري عن عمربن الخطاب، قال: لمّا توفي عبداللّه بن أُبيّ بن سلول، جاء ابنه إلى رسولاللّه صلى الله عليه و آله فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه فأعطاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسولاللّه صلى الله عليه و آله ليصلّي عليه، قال عمر: فأخذت ثوبه وقلت: تصلّي عليه وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه؟! فقال رسولاللّه صلى الله عليه و آله: إنّما خيّرني اللّه فقال: «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ..»[٣] وسأزيد على السبعين .. قال: إنّه
[١] - براءة ١١٣: ٩. راجع: صحيح البخاري، ج ٦، ص ٨٧؛ وج ٢، ص ١١٩.
[٢] - الإتقان، ج ١، ص ٩٥.
[٣] - براءة ٨٠: ٩.