التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٦ - شبهات حول المكي والمدني
الأهداف والغايات التي ترمي الرسالة إلى تحقيقها من خلال الواقع، اسلوبا ومنهجا للرسالة. والهدف والغاية ليسا شيئين منفصلين عن ذات الرسالة حتى يكون تأثيرهما عليها تأثيرا مفروضا من الخارج.
والشبهات المعروضة في هذا المجال تتلخّص في الفرق البائن بين القسم المكّي من القرآن والمدنيّ منه بالقصر والإيجاز الملاحظ في السور والآيات المكّية على خلاف التفصيل والإسهاب في المدنيّات، ممّا يدلّ على انقطاع الصلة بين القسمين وتأثّر كلّ منهما بالبيئة التي كان يعيشها نبيّ الإسلام. فإنّ مجتمع مكّة لمّا كان مجتمعا أُمّيّا لم يكن النبيّ بقدرته التبسّط في شرح المفاهيم وتفصيلها وإنّما واتته القدرة على ذلك عندما أخذ يعيش مجتمع المثقّفين المتحضّر في يثرب.
وكذا الفرق بطابع الشدّة والعنف الذي وُسمت به السور المكّية على العكس من المدنيات الموسومة بطابع اللين والهدوء. ويغلب على المكّيات عرض الأدلة والبراهين وفي المدنيّات التشريعات والأحكام.
ولكنّها فوارق تعود إلى طبيعة الدعوة في حركتها بدءا وهي في حالة كفاح، وبعد التمكّن والظهور وهي في حالة هدوء بال لتتفرّغ إلى البسط والتوسّع والتفصيل.
على أنّ تلك الفوارق ليست بمطّردة إذا ما وجدنا في المدنيّات سورا قصارا في مثل سورة النصر وسورة الزلزلة والبيّنة المدنيّات. وفي المكّيات طوالًا في مثل سورة الأنعام
وسورة الأعراف. كما أنّ في سور مدنيّة كثيرا من التأنيب والتقريع[١] ولاسيما بشأن المنافقين ومن رافقهم من أهل الكتاب.
هذا مع ملاحظة اختلاف الظروف في مكة من اضطهاد وقسوة على عكس المدينة من رحاب ورأفة، وبذلك يفترق لون الدعوة والتبليغ بطبيعة الحال.
[١] - كما في سورة الأنفال وسورة براءة وكثير من آيات في سور مدنيّات.