التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٤ - اتجاهات في تعيين المكي والمدني
شواهد وقرائن من لفظ الآية أو استفادة من لهجة الكلام، خطابا مع نوعيّة موقف الموجّه إليهم: أكان في حرب أم في سلم، وعد أم وعيد، إرشاد أو تكليف ...؟ فيما إذا أوجب ذلك علما أو حلّا قطعيّا لمشكلة في لفظ الآية، كما في قوله: «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما»[١] فإنّ مشكلة دلالتها على مطلق الترخيص دون الإلزام والإيجاب، تنحلّ بما أثر في سبب نزولها.[٢] الأمر الذي يوجب الثقة بصحة الأثر، مع غضّ النظر عن ملاحظة السند، ومن ثمّ فهي مدنيّة.
قال الجعبري: لمعرفة المكّيّ والمدنيّ طريقان: سماعيّ وقياسيّ. فالسماعيّ ماوصل إلينا نزوله بأحدهما. والقياسيّ، قال علقمّة عن ابن مسعود: كلّ سورة فيها «يا أَيُّهَا النَّاسُ» فقط، أو «كُلا» أو أوّلها حروف تهجّ سوى الزهراوين (البقرة وآلعمران) والرعد- في وجه- أو فيها قصّة آدم وإبليس سوى الطولى (البقرة) أوفيها قصص الأنبياء والأُمم الخالية، فهي مكّية. وكلّ سورة فيها حدّ أو فريضة، فهي مدنيّة. وفي رواية: وكلّ سورة فيها: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فهي مدنيّة.
قال الزركشي: وهذا القول- الأخير- إن اخذ على إطلاقه ففيه نظر، فإنّ سورة البقرة مدنيّة وفيها: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ»،[٣] وفيها: «يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً».[٤] وسورة النساء مدنية وفيها: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ».[٥] وفيها: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ».[٦] فإن أراد المفسّرون أنّ الغالب ذلك فهو صحيح، ولذا قال مكي بن حموش: هذا إنّما هو في الأكثر وليس بعامّ. وفي كثير من السور المكّية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا».[٧]
[١] - البقرة ١٥٨: ٢.
[٢] - كان المسلمون يتحرّجون السعي بين الصفا والمروة، زعما أنّها عادة جاهلية تكريما بمقام أساف ونائلة، فنزلت الآية دفعا لهذا الوهم. راجع: مجمع البيان، ج ١، ص ٢٤٠.
[٣] - البقرة ٢١: ٢.
[٤] - البقرة ١٦٨: ٢.
[٥] - النساء ١: ٤.
[٦] - النساء ١٣٣: ٤.
[٧] - لم نجد في سورة مكّية« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» نعم فيها كثير ذكر« الَّذِينَ آمَنُوا» بلاخطاب. كما في سورة ص والزمر وغافر وفصّلت وغيرها. نعم ذكر الزركشي مثالًا لذلك، قوله تعالى:« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا». الحج ٧٧: ٢٢. فزعمها مكّية. لكن الصحيح أنّها مدنية وسيأتي ذلك.