التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٩ - ٢ - الإنسان في صفاته وغرائزه
وحتى العظام والغضاريف، في تغيّر وتبدّل دائب- ظاهرة الإحراق والتعويض- وقد قيل:
إنَّ جسم الإنسان يتبدّل كليّا في كلّ سبع سنوات.
وهذا التغيّر المستمرّ في جسم الإنسان يستدعي- طبعا- تبدّلا في صفات وحالات قائمة بهذا الجسم. أمثال الصحة والمرض والسمن والهزال والقوّة والضعف والطفولة والشباب والكهولة والهرم.
لكن الإنسان يملك إلى جانب هذه الصفات و الأحوال المتغيّرة، صفات و غرائز ثابتة لايعرضها أيّ تغيّر أو تبدّل رغم تبدّل الجسم وتغيّره، وهي صفات الحبّ والبغض والرغبة والرهبة، وملكات الكرم والبخل، والشجاعة والجبن، والسماحة والحسد، وماشاكلها من صفات ذاتيّة لاترتبط مع الجسم أيّ ارتباط.
إذن فما هو المحلّ القائم به هذه الصفات الراسخة؟
لاشيء يصلح محلّا لها سوى النفس «الروح»!
وهنا اعتراض معروف نتعرّض له في الفصل القادم.[١]
* الإنسان لايزال ينمو وتستحكم قواه الجسديّة إلى حدّ معيّن، ثمّ يقف في مستوىً واحدٍ، ومن بعده يأخذ في الهبوط والانتكاس تدريجيّا، فهو إلى العقد الثالث من عمره- تقريبا- آخذ في النموّ الجسدي، وإلى العقد الخامس هو على مستوىً واحدٍ وبعده يأخذ في ضعف تدريجي. حتى إذا طعن في السن يتسرّع هبوطه ضعفا فوق ضعف.
«اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ».[٢]
هذه طبيعة الإنسان الجسديّة. وأمّا حياته العقليّة فلاتتساوق مع ظاهرة الجسم في سرعة التبدّل والتغيّر، فهو لايزال ينمو في قواه العقليّة وتزداد حيويّة ونشاطا عبر العقود الخمسة من عمره، فبينما الجسم آخذ في الهبوط التدريجي منذ العقد الرابع، وإذا بالجانب العقلي من الإنسان بعد، مستمرّ في طريقه إلى الكمال، الأمر الذي يدلنا على أنّ في وجود
[١] - في ذيل الدليل الثاني من الأدلّة الحديثة الآتية.
[٢] - الروم ٥٤: ٣٠.