التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - ٢ - ظاهرة الالتفات
فإذا ضبطت تلك المحاضرة بكاملتها مع ما تخلّلها من كلام- كما إذا سجّلت على شريط- لم يعرف من لاعلم له بالواقعة، وجه المناسبة في سياق هذا الكلام. ولكن من علم ذلك عرف أنّه حسن الترتيب.[١]
٢- ظاهرة الالتفات
ومن سورة يس، تجد فيها بديعة الالتفات بيّنةً:
«إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ. سَلامٌ، قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ. وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ- إلى قوله-:
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ...».[٢]
فأوّلًا كان الكلام عن أصحاب الجنّة بصورة غياب.
ثمّ تحوّل إلى صورة خطاب بالسلام عليهم ذلك اليوم.
وفجأةً تحوّل الخطاب إلى المجرمين- إلى قوله-: «كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ». لكنّه رجع إلى صورة الغياب في قوله: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ ...».
وهذا النوع من التداور في الكلام لايحسن في الكتابة، ويكون بديعا في الخطاب.
وفي سورة الفتح:
«لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً. وَ مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ...».[٣]
بدأ بالكلام عن المؤمنين غيابا في خطاب موجّه إلى النبيّ، وفجأةً تحوّل إلى الخطاب مع المؤمنين أنفسهم.
[١] - التفسيرالكبير، ج ٣٠، ص ٢٢٢- ٢٢٣.
[٢] - يس ٥٥: ٣٦- ٦٥.
[٣] - الفتح ١٨: ٤٨- ٢٠.