التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٧ - ٢٣ - سورة القدر
رواها بسند صحيح، قال: هذا إسناد صحيح. وقرّره على ذلك الحافظ الذهبي في التلخيص. وأضاف إليه طريقا آخر ووثّقه أيضا، ثمّ قال وما أدري آفته من أين؟![١]
قلت: جاءت آفته من قبل نزعة أُمويّة اشربت في قلوب تحكّمت فيها نزعات قوميّة جاهلية، ومن ثمّ يصعب عليها الرضوخ للحق مهما بلغ حدّ التواتر واليقين![٢]
وبعد فإنّ دلالة هذا الحديث على مدنيّة السورة، جاءت من قبل لفظ «المنبر» إذ لم يكن للنبيّ صلى الله عليه و آله وهو بمكة منبر!
لكن هذا وحده لايصلح دليلًا على ذلك، إذ يجوز- قريبا- أنّه صلى الله عليه و آله أُري ذلك بمكة قبل هجرته لتكون بشارة له باعتلاء ذكره، وإلمامة إلى الاغتصاب الذي يرتكبه شرار امَّته. فلاتتنافى هذه الرواية مع روايات الترتيب أصلًا.
وتأييدا لذلك نقول: الآية: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ»،[٣] تشير إلى نفس الرؤيا المذكورة، والآية من سورة الإسراء المكّية بالاتفاق، ولم يستثن أحد هذه الآية، وإن استثنوا غيرها، كما سيأتي.
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابنعمر أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال: «رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة، وأنزل اللّه في ذلك: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ». قال: والشجرة الملعونة، يعني الحكم وولده».
وأخرج أيضا عن يعلى بن مرة، قال: قال رسولاللّه صلى الله عليه و آله: «أريت بني اميّة على منابر الأرض، وسيتملّكونكم فتجدونهم أرباب سوء، واهتمّ رسولاللّه صلى الله عليه و آله فنزلت الآية».
وأخرج ابنمردويه عن عائشة أنّها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسولاللّه صلى الله عليه و آله يقول لأبيك وجدك: «إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن».
وأخرج ابن أبيحاتم وابن مردويه والبيهقي وابنعساكر عن سعيد بنالمسيّب، قال:
[١] - تلخيص المستدرك بالهامش، ج ٣، ص ١٧٠.
[٢] - راجع: جامع البيان، ج ١٥، ص ٧٧ و ج ٣٠، ص ١٦٧؛ والدرّ المنثور، ج ٤، ص ١٩١ وج ٦، ص ٣٧١؛ ومروج الذهب، ج ٣، ص ٢٥٠.
[٣] - الإسراء ٦٠: ١٧.