التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦١ - آخر مانزل
بغدير خم.[١]
أقول: لاشكّ أنّ سورة النصر نزلت قبل براءة، لأنّها كانت بشارة بالفتح، أو بمكة عام الفتح[٢] وبراءة نزلت بعد الفتح بسنة. فطريق الجمع بين هذه الروايات: أنّ آخر سورة نزلت كاملة هي سورة النصر، فقال صلى الله عليه و آله: أما أنّ نفسي نعيت إليّ.[٣] وآخر سورة نزلت باعتبار مفتتحها هي سورة براءة. وأمّا آية «وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ» فإن صحّ أنّها نزلت بمنى يوم النحر في حجة الوداع- كما جاء فيرواية الماوردي-[٤] فآخر آية نزلت هي آية الإكمال- كما ذكرها اليعقوبي. لأنّها نزلت في مرجعه صلى الله عليه و آله من حجة الوداع ثامن عشر ذي الحجّة. وإِلّا فلوصحّ أنّ النبيّ عاش بعد آية «وَ اتَّقُوا ...» أحدا وعشرين يوما أو سبعة أو تسعة أيام، فهذه هي آخر آية نزلت عليه صلى الله عليه و آله.
والأرجح عندنا: هو ما ذهب إليه اليعقوبي، نظرا لأنّها آية الإعلام بكمال الدين، فكانت إنذارا بانتهاء الوحي عليه صلى الله عليه و آله بالبلاغ والأداء. فلعلّ تلك الآية كانت آخر آيات الأحكام، وهذه آخر آيات الوحي إطلاقا.
وهناك أقوال وآراء اخر لاقيمة لها، إنّها غير مستندة إلى نصّ معصوم.
قال القاضي أبوبكر- في الانتصار-: وهذه الأقوال ليس في شيء منها ما رفع إلى النبيّ صلى الله عليه و آله ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد، وتغليب الظنّ وليس العلم بذلك من فرائض الدين، حتى يلزم ماطعن به الطاعنون من عدم الضبط. ويحتمل أنّ كلًا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من رسولاللّه صلى الله عليه و آله، وغيره سمع منه بعد ذلك. ويحتمل- أيضا- أن تنزل الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول صلى الله عليه و آله مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم مانزل معها، وتلاوتها عليهم بعد رسم مانزل آخرا وتلاوته، فيظنّ سامع ذلك أنّه آخر مانزل في الترتيب.[٥]
[١] - تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ٣٥.
[٢] - لباب النقول، ج ٢، ص ١٤٥.
[٣] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٣٩٤.
[٤] - البرهان للزركشي، ج ١، ص ١٨٧.
[٥] - المصدر، ج ١، ص ٢١٠.