التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٥ - ١ - مناقضته مع القرآن
وحي من اللّه، يعلّمه الروح الأمين.
فلو صحّ ماذكروه في رأس الآية العشرين، لكان تكذيبا فاضحا لهذه الشهادة، وتغليبا لجانب الشيطان على جانب الرحمان، وهو القائل تعالى: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً».[١] والقائل: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ».[٢]
فكيف- ياترى- يتغلّب إبليس على ضمان يضمنه اللّه تعالى، فيبطله صريحا، قبل أن يفرغ من كلامه عزّشأنه؟! وهل يتغلّب ضعيف في كيده على قوي في إرادته؟! وهل هذا إلّا تهافت باهت، وكلام فارغ، لايستطيع عاقل تصديقه!
ب- وأيضا فإنّه تعالى يقول: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ»[٣] كناية عن أنّ أحدا لايستطيع التقوّل على اللّه، تلبيسا للحقيقة إلّا ويهلكه اللّه من فوره. الأمر الذي تقتضيه حكمته تعالى، جريا مع قاعدة اللطف، وقد سبقت الإشارة إليها.
أفهل ترى- بعد هذا التأكيد- يستطيع إبليس، وهو صاحب الكيد الضعيف أن يتقوّل على اللّه، ويلبس الأمر على رسول اللّه صلى الله عليه و آله بما يحسبه وحيا آتيا به جبرائيل الأمين؟! إذن فأين الضمان الذي ضمنه اللّه تعالى الغالب على أمره، وتعهّده على نفسه في الآية المذكورة؟!
ج- وقال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»[٤] فقد ضمن تعالى سلامة القرآن من تلاعب أيدي المبطلين، وحفظه عن دسائس المعاندين، أفهل يعقل- بعد ذلك- أن يترك إبليس وشأنه في سبيل التلاعب بالذكر الحكيم، فور نزوله على رسوله الكريم؟! وهل هذا إلّا تهافت في الرأي، وإبطال لضمان اللّه؟! ومعه لاتبقى ثقة بما وعد اللّه المؤمنين من النصر والغلبة، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا!!
[١] - النساء ٧٦: ٤.
[٢] - المجادلة ٢١: ٥٨.
[٣] - الحاقة ٤٤: ٦٩- ٤٦.
[٤] - الحجر ٩: ١٥.