التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٩ - تمحيص الرأي المعارض
سادسا: استلزام ذلك تحريفا في نصوص الكتاب العزيز حيث طبيعة الجمع المتأخّر تستدعي وقوع نقص أو زيادة في القرآن. وهذا مخالف لضرورة الدين.[١]
وزاد بعضهم: أنّ في المناسبة الموجودة بين كلّ سورة مع سابقتها ولاحقتها لدليلا على أنّ نظمها وترتيبها كان بأمر الرسول صلى الله عليه و آله إذ لايعرف المناسبة بهذا الشكل المبدع البالغ حدَّ الإعجاز غيرُه صلى الله عليه و آله.
لكن يجب أن يُعْلَم أنّ قضية جمع القرآن حدث من أحداث التأريخ،[٢] وليست مسألة عقلانيّة قابلة للبحث والجدل فيها. وعليه فيجب مراجعة النصوص التأريخيّة المستندة، من غير أن يكون مجال لتجوال الفكر فيها على أيّة حال!
وقد سبق اتفاق كلمة المؤرخين ونصوص أرباب السير وأخبار الأُمم، ووافقهم أصحاب الحديث طرّا، على أنّ ترتيب السور شيء حصل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله ولم يكن بالترتيب الذي نزلت عليه السور.
وبعد .. فلا نرى أيّ مناقضة بين روايات جمع القرآن، إذ لاشك أنّ عمر هو الذي أشار على أبيبكر بجمع القرآن، وهذا الأخير أمر زيدا أن يتصدى القضية من قبله، فيصحّ إسناد الجمع الأوّل إلى كلّ من الثلاثة بهذا الاعتبار.
نعم نسبة الجمع إلى عثمان كانت باعتبار توحيده للمصاحف ونسخها في صورة موحّدة. وأما نسبة توحيد المصاحف إلى عمر فهو من اشتباه الراوي قطعا، لأنّ الذي فعل ذلك هو عثمان بإجماع المؤرّخين.
[١] - راجع: البيان في تفسير القرآن، ص ٢٥٧- ٢٧٨.
[٢] - ولابدّ أن يكون ثبتا في التاريخ ولاسيّما في مثل هذا الحدث الخطير ولم يثبت لو كان لبان. وللحدث التاريخي ثلاثة أركان أساسيّة: بطن الحادثة، زمن الحادثة ومحلّها. ولابدّ لمن يزعم أنّ جمع القرآن بين دفّتين وقع في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله وبأمر منه، أن يضع يده أوّلًا على الشخص أو الأشخاص الذين كلّفهم النبي بالقيام بمثل هذه المهمّة: من كانوا؟ ثُمَّ في أيّ زمان: قبل الهجرة أو بعدها وفي أيّ عام وقعت هذه الحادثة؟. وأخيرا: أفي مكة أم في المدينة، في المسجد أو في غيره من سائر البقاع؟ وإذ كانت هذه الأركان مجهولة في مثل هذا الحادث الخطير، فترك التعرّض له أولى!
إذن، لامستند لهذه الدعوى تاريخيّا!