التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩١ - تمحيص الرأي المعارض
وقد يتراءى لبعض الباحثين الجدَّد، أن التعبير بلفظ «المصحف» الوارد في أحاديث الرسول وعلى لسانه صلى الله عليه و آله ليصلح شاهدا على وقوع الجمع وتنسيق السور مع بعضها، في ذلك العهد، إذ لولم يكن هناك تدوين وجمع بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن، لما صحّ هذا التعبير ولاكان ثمّة مبرّر لإطلاق لفظ «مصحف» أو «مصاحف» على القرآن.[١]
لكن لاموضع لهذا الاستشهاد، بعد أن كان «المصحف» اسما لمجموعة صحائف مكتوبة انضمّ بعضها إلى بعض، وربما ربطت بخيط ونحوه، أو وضعت في ملفّة أو محفظة وماشاكل، حفظا لها عن التفرّق والضياع، سواء أكان بينها تنسيق ونظم، ليصح إطلاق التدوين عليها، أم لم يكن.
قال ابندريد: والصُحف، واحدتها صحيفة، وهي القطعة من أدم أبيض أو رَقّ يكتب فيه. وتجمع صحائف، وربما جمعوا الصحيفة صحافا ... والمصحف- بكسر الميم- لغة تميمية، لأنّه صحفٌ جُمعت، فأخرجوه مخرج مِفعَل ممّا يتعاطى باليد. وأهل نجد يقولون:
المصحف- بضم الميم- لغة علويّة كأنّهم قالوا: أُصحف فهو مصحف إذا جمع بعضه إلى بعض.[٢]
وقال الخليل: وسمّي المصحف مصحفا، لأنّه أُصحف، أي جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفَّتين.[٣]
وكانت السورة القرآنية تكتمل وتكتب آياتها منظمّة ومرتّبة حسب النزول، حتى تنزل سورة اخرى بنزول بسملتها. وكانت تكتب في ورقة من قرطاس أو قطعة من أديم أو رق، و تحفظ برأسها. وهكذا كلّ سورة سورة. ومن طبيعة الحال أنّ هذه السور المكتملة كانت تحتفظ وتجمع في مكان. في نحو صندوق أو كيس ونحو ذلك. ولكن من غير أن يجعل لها ترتيب أو تنظيم بتقديم الطوال على القصار على غرار تنظيمها الحاضر. وذلك لأنّ القرآن لمّا ينته نزوله. وكان يترتّب نزول سور وآيات، مادام الوحي القرآني لم ينقطع،
[١] - حقائق هامة، ص ٨٢.
[٢] - جمهرة اللغة، ج ٢، ص ١٦٢.
[٣] - العين، ج ٣، ص ١٢٠.