التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٩ - الرأي الحاسم
هذا ... وقد قال تعالى: «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ».[١] وأنتم تقولون أنّه أبعدهم منه وأظلّهم عنه فما أكبر هذا الزعم! وما أعظم هذه الفرية!
قال: ولو تساءلنا: هل وضع رسم المصحف ليقرأ أو ليكون رمزا ويظلّ طلسما، يتناقله القرّاء وحدهم، ويلقّنونه لمن يريدون تلقينه، ممّن يتزلّف إليهم بماله ونفسه ويمنعونه عمّن يرون منعه ممّن لم يرزق جاها ولامالًا!
قال: ولقد رأيت بعيني وسمعت باذنيّ، كثيرا من ذوي الثقافات والأدب يلحنون في قراءة القرآن، لعدم انسهم بهذا الرسم الغريب وعدم معرفتهم بأساليب القراءة على وجهها المأثور.[٢]
الرأي الحاسم
هكذا يرجّح ابن الخطيب تصحيح رسم المصحف إلى مايعرفه جمهور الناس واستقرّ عليه اصطلاح أرباب الثقافة اليوم.
وهذا رأي جمهور المحقّقين، ذهبوا إلى جواز تبديل الرسم القديم إلى الرسم الحاضر بعد أن لم يكن رسم السلف عن توقيف، وإنّما هو اصطلاح منهم أو كانت الكتابة في بداءة أمرها غير متقنة، أمّا مع تقدّم أساليب الكتابة وفيها من التوضيح ما يجعل أمر القراءة سهلا على الجميع، فلابدّ من تغيير ذاك الرسم إلى المصطلح الحاضر الذي يعرفه كافّة الأوساط وليكون القرآن في متناول عامّة الناس، وفي ذلك تحقيق للغرض الذي نزل لأجله هذا الكتاب الخالد ليكون هدى للناس جميعا مع الأبد.
وبهذا الصدد يقول القاضي محمد بن الطيّب أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣) في كتابه
[١] - القمر ١٧: ٥٤.
[٢] - الفرقان لابنالخطيب، ص ٦٢- ٨٦.