التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٨ - غلو فاحش
الثاني: إنّهم كانوا يراسلون الملوك والأُمراء فلابدّ من إتقان كتابتهم.
الثالث: إنّه قدمرّ على نشر الكتابة في الجزيرة إلى عهد عثمان أكثر من ربع قرن، فهل يعقل أنّ الصحابة لم يتقنوا الكتابة في هذه الفترة الطويلة».[١]
قلت: ويكفينا جوابا عن سفاسفه ماذكره العلّامة ابن خلدون: ولاتلتفتنّ إلى مايزعمه بعض المغفّلين ...[٢]
وقد أسهب ابنالخطيب في الردّ على هذه المزعومة الفاضحة، وأتى بالكلام مستوفى. نقتطف منه مايلي.
قال: قال الجعبري في سياق كلامه عن هجاء المصحف: «وأعظم فوائده أنّه حجاب يمنع أهل الكتاب أن يقرأوه على وجهه».[٣]
قال: وبمثل هذا الهراء ينطق أحد أئمّة القرّاء. وبمثل هذا الكلام يحتجّ القائلون بوجوب الهجاء القديم. مع أنّ هذا القول واضح البطلان بادي الخسران.
وفي القرآن آيات كثيرة تخاطب أهل الكتاب وتدعوهم إلى الإيمان فكيف عن تلاوته يحجبون؟!
ثمّ قال: ومن أشنع ما يتصف به إنسان سليم العقل، صحيح العرفان ما ذكره الصباغ:
«إنّ فوائد هذا الرسم كثيرة وأسراره شتّى، منها عدم الاهتداء إلى تلاوته على حقّه إِلّا بموَقّف، شأن كلّ علم نفيس يتحفّظ عليه».
فقال: ياللداهية الدهياء، لقد صار القرآن مثل علم اليازرجات واللوغارتمات والطلسمات والاصطرلابات وضرب الرمل والتنجيم وماشاكل ذلك من العلوم يزعمون نفاستها لما تحتويه من أسرار لا تنال إِلّا بجهد جهيد وتلقّ طويل الأمد.
[١] - تاريخ القرآن لمحمد طاهر الكردي، ص ١٠١- ١٢٠.
[٢] - تقدّم ذلك في« غلوّ فاحش».
[٣] - راجع: مناهل العرفان، ج ١، ص ٣٧٣ فإنّه أيضا أتى بسفاسف زعمها فوائد مترتّبة على الرسم العثماني القديم!