التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٠ - الرأي الحاسم
«الانتصار»: وأمّا الكتابة فلم يفرض اللّه على الأُمّة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتّاب القرآن وخطّاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ماعداه، إذ وجوب ذلك لايدرك إِلّا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب ولامفهومه، أنّ رسم القرآن وضبطه لايجوز إِلّا على وجه مخصوص وحدّ محدود لايجوز تجاوزه. ولا في نصّ السنة مايوجب ذلك ويدلّ عليه. ولا في إجماع الامَّة مايوجب ذلك، ولادلّت عليه القياسات الشرعيّة.
بل السنّة دلّت على جواز رسمه بأيّ وجه سهل، لأنّ رسولاللّه صلى الله عليه و آله كان يأمر برسمه ولم يبيّن لهم وجها معيّنا، ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأنّ ذلك اصطلاح وأنّ الناس لايخفى عليهم الحال. ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفيّة والخطّ الأوّل، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوجّ الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخطّ والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك.
وإذا كانت خطوط المصاحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة وكان الناس قد أجازوا ذلك، وأجازوا أن يكتب كلّ واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل و أشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر، علم أنّه لم يؤخذ في ذلك على الناس حدّ محدود مخصوص، كما اخذ عليهم في القراءة والأذان.
والسبب في ذلك أنّ الخطوط إنّما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكلّ رسم دالّ على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحّته وتصويب الكاتب به على أيّ صورة كانت.