إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٢ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
من أبناء الدنيا. ألا و إن الزاهدين في الدنيا قد اتخذوا الأرض بساطا، و التراب فراشا، و الماء طيبا. ألا و إن من اشتاق إلى الآخرة، سلا عن الشهوات .. و من أشفق من النار، رجع عن المحرمات .. و من طلب الجنة، سارع إلى الطاعات .. و من زهد في الدنيا، هانت عليه مصائبها .. ألا، و إن للّه عبادا شرورهم مأمونة و قلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة و حوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلا لعقبى راحة طويلة إذا رأيتهم في الليل، رأيتهم صافين أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى اللّه في فكاك رقابهم .. و أما نهارهم فظماء حلماء بررة أتقياء كأنهم القداح .. ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى و ما بهم من مرض، و لكنه الأمر العظيم.
ذلك هو شغله الشاغل ينام على هديره و يصحو على زئيره. دين اللّه الذي حمل أمانته، و قرأ كتابه و يوم اللّه، الذي سيقف فيه بين يديه غدا، لينظر جزاءه و حسابه.
أو من أجل هذا، لا ينام علي و لا يستريح؟ أجل، من أجل هذا، يقضي ليله و نهاره في عبادة تضنى جسمه الأيد الوثيق. و من أجل هذا، يدع الدنيا وراءه ظهريا، فيأبى و هو خليفة للمسلمين، أن ينزل قصر الإمارة بالكوفة. و يؤثر عليه الأرض الخلاء. و الدار المهجور. و يلحون عليه كي ينزل قصر الإمارة هذا. فيجيبهم، لا قصر الخبال لا أنزله أبدا. و من أجل هذا، يلبس الثوب الخشن، فيسأله أصحابه أن يعطى نفسه و منصبه بعض حقهما
فيقول: هذا الثوب، يصرف عني الزهو و يساعدني على الخشوع في صلاتي. و هو قدوة صالحة للناس، كي لا يسرفوا و يتبذخوا.
ثم يتلو آية القرآن العظيم:تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
إنه لا يركن إلى الدنيا لحظة من نهار. إنها بالنسبة له، قد أدبرت و آذنت بوداع فلما ذا إذن يعطيها ولاءه و بلاءه؟ إن الآخرة عند الإمام هي الدار هي الأبد و ما أهل الدنيا في شتى العصور و الدهور إلا سائرون فوق جسر كلما انتهى من عبوره قوم وجدوا أنفسهم أمام الأبدية حيث الجنة، أو النار. ألا فلنصغ
لحديثه: إن المضمار اليوم، و غدا السباق ... ألا و إنكم في أيام أمل، من ورائه أجل .. فمن قصّر في أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله .. ألا فاعملوا للّه في