إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٨٨ - طلحة و الزبير يكاتبان عظماء البصرة
فسقط، فما سمع صوت أشدّ من عجيج الجمل.
و لما احتملت السيدة عائشة رضي اللّه عنها بهودجها أمر الإمام بالجمل أن يحرق ثم يذر في الريح، و قال: لعنه اللّه من دابة، فما أشبهه بعجل بني إسرائيل، ثم قرأ كرّم اللّه وجهه: (و انظر إلى إلهك الّذي ظلت عليه عاكفا، لنحرّقنّه ثم لننسفنّه في اليمّ نسفا).
و تفرق الناس بعد موت الجمل، فنادى منادي أمير المؤمنين: «ألّا يجهز على جريح»، «و ألّا يتبع مولّ»، «و ألّا يطعن مدبر»، «و لا يستحلن فرج و لا مال».
و لما استشار سيدنا عمار بن ياسر رضي اللّه عنه أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه في الأسرى الذين وقعوا في أيديهم و قال له: أقتل هؤلاء الأسرى يا أمير المؤمنين؟ قال الإمام: لا أقتل أسير أهل القبلة إذا رجع و نزع، فبايع الأسرى و أخلى سبيلهم.
و لما قال له أنصاره: ما لنا في هؤلاء الناس، أجابهم: لكم ما في عسكرهم و على نسائهم العدة (أى نساء القتلى)، و ما كان لهم من مال في أهليهم فهو ميراث على فرائض اللّه.
فقال له أنصاره: يا أمير المؤمنين كيف تحل لنا أموالهم و لا تحل لنا نساؤهم و لا أبناؤهم؟
فقال: لا يحل ذلك لكم، فلما أكثروا عليه قال: اقترعوا هاتوا بسهامكم، أيكم يأخذ أمكم عائشة في سهمه. فقالوا: نستغفر اللّه، فقال: و أنا أستغفر اللّه.
و قال الحافظ الشيخ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ في «فاكهة الصيف و أنيس الضيف» (ص ٢٦٦ ط مكتبة ابن سينا بالقاهرة):
على بن أبي طالب هو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى و يكنى أبا الحسن، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم و لم تكن الخلافة لمن كان أبواه هاشميين غير علي و ولده الحسن و محمد الأمين بن زبيدة. بويع له بالخلافة يوم قتل عثمان رضي اللّه عنه فولى مصر سعد بن قيس و في السنة السادسة و الثلاثين سار الزبير بن العوام و طلحة بن عبد اللّه إلى مكة و نكثا بيعة علي و أظهرا أنهما يطلبان دم عثمان فكانت عائشة بمكة فلما بلغها قتل عثمان ألّبت الناس على علي، ودعتهم إلى أخذ ثأر عثمان، ثم سارت عائشة و طلحة و الزبير من مكة قاصدين البصرة في جيش كثيف فاستولوا عليها، و نهبوا بيت مالها فسار إليهم علي في جمع عشرين ألفا و مع عائشة و طلحة و الزبير ثلاثون ألفا