إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٣ - مستدرك علمني ألف باب يفتح كل باب ألف باب
من الفقهاء حول أفضلية علي، و ليس هنا متسع رواية نصها نظرا لطولها، فمن الأنسب تلخيصها تلخيصا لا يخل بجوهرها، فقد طلب المأمون من قاضي قضاته يحيى بن أكثم أن يصحب اليه أربعين رجلا كلهم فقيه يفقه ما يقال له و يحسن الجواب. فدخلوا على المأمون و عليه سواده، فهو إذن قد خلع الخضرة و رجع إلى شعار آبائه، فلما جلسوا و طارحهم المأمون حديثا يزيل به وحشتهم ذكر لهم السبب الذي دعاهم من أجله و هو مناظرتهم في مذهبه الذي هو عليه و الذي يدين اللّه به و مؤداه أن علي بن أبي طالب خير خلفاء اللّه بعد رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم و أولى الناس بالخلافة له. فلما اعترض أحد الفقهاء و اسمه إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل على هذا المذهب دخل معه المأمون في مناظرة طويلة بدأت بتقرير مبدأ أساسي هو أن محك التفاضل بين الناس: العمل الصالح. و انطلاقا من هذا المبدأ أخذ المأمون يوازن بين فضائل علي و فضائل غيره من الصحابة. و انتهت به الموازنة إلى أن فضائل علي أثقل ميزانا من فضائل سواه، فقد كان علي أسبق إسلاما و أكثر جهادا في سبيل اللّه و أسخى بما ملكت يمينه، و هو الذي نزل فيه قوله تعالى:وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً. كما ثبت علي يوم حنين مع ستة آخرين كلهم من بني هاشم و انهزم الباقون عن الحرب بما اكتنفه من مخاطر محدقة فدائية لا تدانى. و قد كانت موازنة الرسول.
ثم إن مبيته في فراش رسول اللّه حين هاجر إلى المدينة بما اكتنفه من مخاطر محدقة فدائية لا تدانى. و قد كانت موازنة المأمون في الغالب تدور حول علي و أبي بكر لما يتمتع به الصديق من مكانة ظاهرة في قلوب المسلمين، فأفضلية علي على أبي بكر تعنى بالضرورة أفضليته على غيره من الصحابة. و الملاحظ أن المأمون حين يوازن بين علي و أبي بكر و يفضل عليا لا ينكر فضل أبي بكر بل ينكر أفضليته، و ذلك حيث يقول: لو لا أن له فضلا لما قيل إن عليا أفضل منه. و بعد أن يفرغ المأمون من مناظرته مع الفقهاء و يبدي الفقهاء اقتناعتهم بوجهة نظره يعقب قائلا: اللهم إني قد نصحت لهم القول، اللهم إني قد أخرجت الأمر من عنقي، اللهم إني أدينك بالتقرب إليك بحب علي و ولايته.