إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١١٧ - و رواه جماعة مرسلا
الفقه و الحديث و السير، أقر منها النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ما وقع منها في الزمن النبوي، و كم من قضية أفتى فيها الصحابة و خالفهم فيها علي، فرجعوا على الفور إلى رأيه إنصافا و وقوفا مع الحق، فضلا عن كثرة القضايا التي اجتهد فيها، فانفرد برأيه تارة و شاركه في بعضها صحابة آخرون تارة ثانية.
نعم لقد كان لعلي بن أبي طالب أثر كبير في الفقه الإسلامي من حيث: نموه و تكوينه و منهجه و أسسه و ما إلى ذلك من جوانب مختلفة تتصل بالتشريع الإسلامي.
و من ثم فإننا لا نبالغ إذا قلنا بأن لعلي منزلة كبيرة عند الفقهاء جميعا سواء السني منهم أو الشيعي، و إن الناظر في آراء علي الفقهية التي اعتنقها أئمة المذاهب المختلفة لدليل كاف على صدق هذا القول.
و لعل كثرة فتاوى علي و أحكامه ترجع إلى أنه مكث نحوا من ثلاثين سنة بعد أن قبض اللّه تعالى رسوله إليه يفتي و يرشد و يوجه، و قد كان غواصا طالبا للحقائق، و قد أقام في الكوفة نحو خمس سنوات و لا بد أنه ترك فيها فتاوى و أقضية، و كان فيها المنفرد بالتوجيه و الإرشاد، و إنه قد عرف بغزارة في العلم و عمق، و انصراف إلى الإفتاء في مدة الخلفاء قبله، و المشاركة في كل الأمور العميقة التي تحتاج إلى فحص و تقليب من كل وجوهها مع تمحيص و قوة استنباط.
إذن على ضوء هذا فإن ما ذهب إليه ابن القيم تعوزه الدقة العلمية، إذ ادعى أن العلم انحصر في أربعة من الصحابة هم ابن مسعود و ابن عباس و ابن عمر و زيد فقال: و الدين و الفقه انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، و أصحاب زيد بن ثابت و أصحاب عبد اللّه بن عمر و أصحاب عبد اللّه بن عباس فعلم الناس عامة إلى هؤلاء الأربعة، فأما أهل المدينة فعلمهم عن زيد بن ثابت و عبد اللّه بن عمر، و أما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد اللّه بن عباس، و أما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد اللّه بن مسعود.
هذا هو نص ما قاله ابن القيم، و لكن ما نطقت به كتب السنة و شروح الحديث و الفقه و غيرها من عيون التراث الإسلامي لتدل على خلاف ذلك، إذ جمعت هذه الكتب بين دفتيها تراثا علميا تليدا لغير هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم ابن القيم كعلي