إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢١٦ - مستدرك ما ورد في زهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و عدله و سماحته و إنفاقه في سبيل الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و عن نفسه و عن الأئمة من أولاده عليهم السلام و الصحابة و التابعين و علماء العامة
لا أذل لك فتستذليني، و لا أسلس لك فتقوديني، و أيم اللّه لأروضن نفسي رياضة تهش معا إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما- أي تفرح بالرغيف من شدة الحرمان و تقنع بالملح مأدوما، أ يأكل على من زاده فيهج فلا قرت إذن عينه، إذن أصبح بعد السنين المتطاولة كالبهيمة و السائمة طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها و هجرت في الليل غمضها، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، و توسدت كفها، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، و تجافت عن مضاجعهم جنوبهم، و همهمت بذكر ربهم شفاههم، و تقشعت بطول استغفارهم ذنوبهمأُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ثم مضى يعظهم:
فاتقوا اللّه عباد اللّه و بادروا آجالكم بأعمالكم، و ابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم و تزودوا من الدنيا في الدنيا ما تحفظون به أنفسكم غدا، فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة و أن تؤديه أيامه إلى شقوة، نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا و إياكم ممن لا تبطره نعمة، و لا تقصر به عن طاعة ربه غاية.
و بكى و بكى معه بعض أصحابه مما يسمعون، فنظر إليهم الإمام، و ما زالت في عينيه الدموع، فرأى من خلال الدمع صاحبا له قد بنى دارا كبيرة فقال له: لقد اتخذت دارا واسعة، فما تصنع بهذه الدار في الدنيا أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج.
فأجابه صاحبه في حياء و ندم: بلى يا أمير المؤمنين. قال الإمام: إن شئت بلغت بها الآخرة: تقرى بها الضيف، و تصل فيها الرحم، و تطلع منها الحقوق مطالعها.
و قد حسب بعض المستمعين أنه كرم اللّه وجهه، يدعوهم إلى الخروج عما أحل اللّه من متاع الدنيا،
فترك أحدهم أهله و بنيه، و لبس مرقعة و اعتكف للعبادة، فدعاه الإمام و قال له: أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أ ترى أن اللّه أحل الطيبات و هو يكره أخذك منها، لقد علمتكم أن للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، و ساعة يرمّ معاشه، و ساعة يخلى بين نفسه و بين لذتها فيما يحل و يجمل.
فدع التواضع في الثياب تخوفا فاللّه يعلم ما تجن و تكتم فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة عند الإله و أنت عبد مجرم