إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢١٤ - مستدرك ما ورد في زهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و عدله و سماحته و إنفاقه في سبيل الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و عن نفسه و عن الأئمة من أولاده عليهم السلام و الصحابة و التابعين و علماء العامة
اللّه عليه و سلم، و ما شبع هو و أهله من طعام قط و قد حيزت له الدنيا و ما فيها، و أنا على سنته، و لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: لا يحل للخليفة من بعدي من مال اللّه إلا قصعة يأكلها هو و أهله و قصعة يتصدق بها و حلة للصيف و حلة للشتاء، على أنى أعيش على ما يأتيني من ينبع، و أستغنى به عن بيت المال.
و سكت قليلا ثم تنهد و قال: كم من جامع ما سوف يتركه، و لعله من باطل جمعه، و من حق منعه، أصاب به حراما، و احتمل به آثاما، فناء بوزره و قدم على ربه آسفا لاهثا خسر الدنيا و الآخرة، ذلك هو الخسران المبين صدق اللّه العظيم. ألا إنه لا شرف أعلى من الإسلام، و لا عز أعز من التقوى، و لا معقل أحسن من الورع، و لا شفيع أنجح من التوبة، و لا كنز أغنى من القناعة، و لا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت، و الرغبة مفتاح النصب، و مطية التعب، و الحرص و الكبر و الحسد دواع إلى التقحم في الذنوب، ألا فاعلموا أن اللّه تعالى فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بماء متع به غني، و اللّه تعالى سائلهم عن ذلك.
و لكم عجب الذين سمعوه و سمعوا معاوية: إن معاوية يقرب الناس إليه بما يغدق من منصب أو مال، و بما يبذل من وعود، أما علي فيصارح الناس بمنهجه و لا يطمعهم في عطاء لا يستحقونه، أو في منصب لا يستأهلونه، فالمال مال اللّه و هو أمين عليه، فهو يستنفر في الرجل تقاه، و يزهده في دنياه، ليستغنى عن الناس باللّه.
إنه ليتصدق بكل ماله الخاص، و لا يبقى لنفسه أو لأهله إلا ما يكفيهم لما هو ضروري لاستمرار الحياة من الطعام و الكساء، و حين خوطب في هذا
قال كرم اللّه وجهه و رضي اللّه عنه: الرزق رزقان: رزق تطلبه، و رزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك، فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك! فإن تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم فإن اللّه تعالى سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك، و إن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم لما ليس لك، لن يسبقك إلى رزقك طالب، و لن يغلبك عليه غالب، لن يبطئ عنك ما قدر لك. ألا و إن من البلاء الفاقة، و أشد من الفاقة مرض البدن، و أشد من مرض البدن مرض القلب، ألا و إن من النعم سعة المال، و أفضل من سعة المال صحة