إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٠٤ - طلحة و الزبير يكاتبان عظماء البصرة
ننعى ابن عفان بأطراف الأسل الموت أحلى عندنا من العسل
فلما رأى علي كثرة القتلى حول الجمل و عرف أن الناس لا تسلمه أبدا و فيهم عين تطرف نادى في أصحابه: اعقروا الجمل،
فجاء رجل من خلفه و عقره فسقط و سقط الهودج فتفرق الناس و انتهت المعركة. ثم أمر علي بحمل الهودج إلى ناحية بعيدة عن ميدان القتال حتى لا تصاب أم المؤمنين بأذى، و بقيت عائشة في هودجها إلى الليل.
ثم جاءها أخوها محمد بن أبي بكر فأدخلها دارا من دور البصرة، فأقامت بها أياما ثم أرادت الارتحال فجهزها علي بكل ما ينبغي لها من مال و زاد و متاع و اختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة ليسرن معها و سير معها أخاها محمد بن أبي بكر،
و لقد قالت عائشة حينئذ للناس: إنه و اللّه ما كان بيني و بين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة و أحمائها أقارب زوجها، و أنه على معتبتي من الأخيار، فقال علي: صدقت و برت و إنها لزوجة نبيكم في الدنيا و الآخرة.
و لما حانت ساعة الرحيل و دعها علي بنفسه. و سار بجانب الهودج حتى خارج المدينة. و سير أولاده معها مسيرة يوم، و كان ذلك في غرة رجب سنة ٣٦ ه-.
فسارت إلى مكة و أقامت بها إلى موسم الحج، ثم توجهت إلى المدينة لتقضي البقية الباقية من أيامها. بعيدة عن النواحي السياسية متجهة إلى طاعة اللّه و عبادته حتى وافاها الأجل سنة ٥٨ ه-.
و هكذا انتهت موقعة الجمل بما حملته من أوزار كبار، و قد ذهب ضحيتها عشرة آلاف من المسلمين، لم يخسر المسلمون مثلهم في أكبر المعارك التي خاضوها في سبيل اللّه.
إلى أن قال:
و المتأمل في هذه الموقعة يرى أن التبعة فيها تقع أول ما تقع على السيدة عائشة، فلقد خرجت على ولي الأمر الشرعي و لم تسمع لنصح الناصحين حتى جرفها التيار