إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣١٢ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
هذا لم يرغب في إهراق دمه إلا بعد يأس من إسلامه و من تركه حرب المسلمين، فعرض عليه أن يكف عن القتال فأنف، و قال: إذن تتحدث العرب بفراري، و ناشده:
يا عمرو، إنك كنت تعاهد قومك ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما. قال: أجل. قال: فإني أدعوك إلى الإسلام أو إلى النزال. قال: و لم يا ابن أخي؟ فو اللّه ما أحب أن أقتلك، فلم يكن له بدّ بعد ذلك من إحدى اثنتين: أن يقتله أو يقتل على يديه.
و على ما كان بينه و بين معاوية و جنوده من اللدد في العداء لم يكن ينازلهم و لا يأخذ من ثاراته و ثارات أصحابه عندهم إلا بمقدار ما استحقوه في موقف الساعة:
فاتفق في يوم صفين أن خرج من أصحاب معاوية رجل يسمى كريز بن الصباح الحميري فصاح بين الصفين: من يبارز؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي فقتله و وقف عليه و نادى: من يبارز؟ فخرج إليه آخر فقتله و ألقاه على الأول، ثم نادى: من يبارز؟ فخرج إليه الثالث فصنع به صنيعه بصاحبه، ثم نادى رابعة: من يبارز؟ فأحجم الناس و رجع من كان في الصف الأول إلى الصف الذي يليه، و خاف علي أن يشيع الرعب بين صفوفه فخرج إلى ذلك الرجل المدل بشجاعته و بأسه فصرعه ثم نادى نداءه حتى أتم ثلاثة صنع بهم صنيعه بأصحابه، ثم قال مسمعا الصفوف: يا أيها الناس! إن اللّه عز و جل يقول:الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ، و لو لم تبدءونا ما بدأناكم، ثم رجع إلى مكانه.
و قد كان مدار هذا الخلق في ابن أبي طالب على ثقة أصيلة فيه لم تفارقه منذ حبا و درج، و قبل أن يبلغ مبلغ الرجال. فما منعته الطفولة الباكرة يوما أن يعلم إنه شيء في هذه الدنيا و إنه قوة لها جوار يركن إليه المستجير. و لقد كان في العاشرة أو نحوها يوم أحاط القروم القرشيون بالنبي عليه السّلام ينذرونه و ينكرونه و هو يقلب عينه في وجوههم و يسأل عن النصير و لا نصير، لو كان بعلي أن يرتاع في مقام نجدة أو مقام عزيمة لارتاع يومئذ بين أولئك الشيوخ الذين رفعتهم الوجاهة و رفعتهم آداب القبيلة البدوية إلى مقام الخشية و الخشوع.