إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٩٩ - طلحة و الزبير يكاتبان عظماء البصرة
الطبري أن عائشة رضي اللّه عنها خرجت من مكة إلى المدينة بعد مقتل عثمان فلقيها رجل من أخوالها قال: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان و اجتمع الناس على علي و الأمر أمر الغوغاء، فقالت: ما أظن ذلك تاما، ردّوني، فانصرفت راجعة إلى مكة، حتى إذا دخلتها أتاها عبد اللّه بن عامر الحضرمي و كان أمير عثمان عليها فقال: ما ردك يا أم المؤمنين؟ فقالت: ردني أن عثمان قتل مظلوما، و أن الأمر لا يستقيم و لهذه الغوغاء أمر، فاطلبوا بدم عثمان تعزوا الإسلام، فكان أول من أجابها عبد اللّه بن عامر الحضرمي ثم تبعه سائر بني أمية، و قدم عليهم طلحة و الزبير من المدينة. ثم قالت عائشة لهم بعد نظر طويل:
أيها الناس، إن هذا حدث عظيم و أمر منكر فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهل البصرة فأنكروه فقد كفاكم أهل الشام ما عندهم، لعل اللّه عز و جل يدرك لعثمان و للمسلمين بثأرهم.
و من هذه الرواية التي ذكرها الطبري نلاحظ أن السيدة عائشة قد قررت الخروج على ولي الأمر الشرعي و دعت الناس إلى ذلك و كان الدافع لها هو المطالبة بثأر عثمان و بالقصاص من قاتليه، على أن هذا الدافع الذي خرجت من أجله عائشة على علي لا يصلح في تقديرنا عذرا لعائشة و لا تعلة يمكن أن تدافع بها عن نفسها دفاعا يقبله المحايدون المنصفون، و قد بينت السيدة أم سلمة رضي اللّه عنها خطأ تلك الفكرة التي تملكت عائشة و حاولت أن تثنيها عنها، فلم تستجب عائشة لهذا الصوت العاقل الوقور.
و إليكم ما قالته أم سلمة: من أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم إلى عائشة أم المؤمنين، فإني أحمد اللّه إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فقد جمع القرآن ذيولك فلا تسحبيها، و سكر خفارتك فلا تبتذليها، و لو علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن النساء يحتملن الجهاد عهد إليك، أما علمت بأنه قد نهاك عن الفراطة في الدين، فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، و لا يرأب بهن إن انصدع، إن