إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٣١ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
و هكذا، حيث تضرى البطولات، و تستعلى الأناة و الحكمة يكون علي هو الرجل و هو البطل الذي يختاره الرسول ليقيم الميزان بالقسط، و يمزج القصاص بالعدل، و القوة بالرحمة، و يضع الشجاعة تحت إمرة السداد و الأناة و الحكمة.
و إذا كان الفضل ما يشهد به الأعداء، فلنستمع في هذا المقام لشهادة أبي سفيان أيام شركه و وثنيته.
فعند ما نقضت قريش عهدها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و استخار النبي ربه في الخروج إلى مكة لفتحها، نمي الخبر إلى قريش فسقط في يدها، و أرسلت أبا سفيان إلى المدينة، ليعتذر إلى الرسول، و ليسأله الموافقة على المعاهدة التي كانت بينهما، و التي أبرمت يوم الحديبية.
و نزل أبو سفيان المدينة و قابل زعماء المسلمين راجيا أن يزكوا مهمته عند الرسول فكلهم رفض. بل إن ابنته أم حبيبة و كانت إحدى زوجات النبي أبت أن تجلسه على فراش رسول اللّه، و كان مبسوطا في فناء حجرتها ساعة دخوله عليها فطوته عنه، و لما عاتبها في صنيعها هذا أجابته قائلة: إنك مشرك و فراش رسول اللّه لا يطؤه مشركون.
و لما عاد إلى مكة خائب المسعى، جلس يحدث قريشا عن محاولته، فقال فيما قال: و جئت ابن أبي قحافة يعني أبا بكر فلم أجد منه عونا و جئت ابن الخطاب، فوجدته أعدى العدو لقد قال لي: أ أنا أشفع لكم عند رسول اللّه؟ و اللّه لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، و جئت عليا فوجدته ألين القوم.
أجل في هذه المناسبة بالذات، حيث لا يتوقع من علي كرم اللّه وجهه سوى بأس المقاتل، و تشفى صاحب الثار، نجد لين الجانب و رحمة الغالب يسمان موقفه و تصرفه.
و بشهادة من؟ بشهادة خصمه أبي سفيان زعيم قريش يومئذ و قائد جيوشها، و حامل لواء و ثنيتها.
ذلكم هو نوع البطولة التي أفاءتها مقادير علي عليه.
بطولة، يقودها العقل لا العاطفة.