إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٣٠ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
في ذلك اليوم المشهود يوم فتح مكة كان الزعيم الأنصاري سعد بن عبادة يحمل الراية على كتيبة كبيرة من المسلمين.
و لم تكد تتراءى له مشاهد مكة، حتى استجاشته ذكريات عداء قريش للرسول و لصحبه، فصاح قائلا وسط نشوة الظفر التي تستخف الأحلام: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة. قالوا: و سمعه بعض الصحابة فروعهم هذا النداء.
و سارع عمر بن الخطاب إلى النبي عليه السّلام و نقل إليه كلمات سعد، و قال معقبا عليها: يا رسول اللّه، ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة. و على الفور، نادى الرسول عليا و قال له: أدرك سعدا، و خذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها.
علي الذي شهد كل الأذى الذي صبته قريش على ابن عمه و رسوله، علي الذي يحمل طاقة زاخرة فوارة تحرك الجبال، علي، و هذا يومه، حيث يتوقع منه بأس المقاتل، و زهو المنتصر يختاره أعرف الناس به لمهمة قهر الزهو، و نسيان الثار مهمة دخول مكة المفتوحة، في تواضع و إخبات، و سلام.
و مشهد آخر، يعرفنا بجمال هذه البطولة، و إنسانيتها، و ما كانت تتمتع به من أناة، و معدلة.
فبعد فتح مكة، أرسل الرسول إلى من حولها من القبائل سرايا تدعوها إلى اللّه في غير قتل لها، أو حرب معها.
و كان خالد بن الوليد على رأس إحدى هذه السرايا. أمره الرسول أن يسير بأسفل تهامة داعيا، لا مقاتلا. و عند قبيلة بني خذيمة بن عامر، تصرف أحد رجالها تصرفا تسرع تجاهه خالد فأعمل فيهم السيف.
و نمى الخبر إلى رسول اللّه، فغضب و حزن، و بريء إلى اللّه مما صنع خالد بن الوليد، ثم رأى عليه السّلام أن يبادر بإرسال رسول سلام، و كان ابن أبي طالب هو الرسول المختار. دعاه رسول اللّه إليه، و قال له: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، و اجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. و أعطاه الرسول من المال ما يكفى لديه القتلى، و تعويض أهلهم عن كل خسارة حاقت بهم، و قام علي بالمهمة خير قيام.