إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٩٨ - مستدرك مما ورد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان أفرض أهل المدينة و أقضاها
الحق. و نحن نوجز هنا بعض الأمثلة عن تلك الأقضية، مختارة من كتاب الطرق الحكمية، على أن نذكر غيرها في فصول لاحقة.
منها قضية نسب: ادعى غلام أمام عمر الفاروق على امرأة أنها أمه، فجاءت المرأة بنفر شهدوا بأنها لم تتزوج، و أن الولد كاذب، فأمر عمر بضرب المدعي حد القذف.
فعلم الإمام علي بذلك، فتداخل و عرض على الغلام أن يتزوج المدعى عليها.
فصرخت المرأة: اللّه اللّه، هو النار، و اللّه ابني. ثم أقرت أن أهلها زوجوها زنجيا دون رضاها، فحملت منه هذا الغلام و ذهب الزوج غازيا فقتل و بعثت هي بالولد إلى قوم نشأ بينهم، و أنفت أن يكون ابنها. فحكم علي بثبوت نسب الغلام، و بإلحاقه بالمدعى عليها.
و قضية قتل: ادعى شاب لدى الإمام علي أن أباه ذهب مع نفر في سفر، و أنهم لما عادوا زعموا أن والده مات و لم يترك شيئا من المال، و أن القاضي شريحا استحلفهم و أخلى سبيلهم. فأمر الإمام بتوكيل شرطين بكل من المدعى عليهم، لمنعهم من الاختلاط فيما بينهم، ثم استجوب كلا منهم على حدة، عن تفصيلات يوم خروجهم، و مكان نزولهم، و علة موت رفيقهم، و كيف أصيب بماله، و كيف دفن و أين، و ما شاكل من الأسئلة الدقيقة. فكانت الأجوبة متناقضة، فأمر بسجنهم، فظن كل منهم أن صاحبه قد أقر، فأقروا عندئذ جميعا بحقيقة القضية. و بالنتيجة، حكم الإمام بتغريمهم المال، و بإعدامهم قصاصا.
فهذه القضية تثبت جواز تفريق المدعى عليهم، لأجل التحري عن الحقيقة، و الوصول إلى الحكم بالعدل. و تثبت أن الإقرار على أثر ذلك يعتبر صحيحا غير مشوب بالإكراه.
و قال القاضي العلامة محمد بن خلف بن وكيع القرطبي المتوفى سنة ٣٠٦ في «أخبار القضاة» (ج ١ ص ٥ ط القاهرة):
و روايته لعلي بن أبي طالب عليه السّلام، و هو أجل القضاة، إذ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم استعمله على القضاء في حياته.