إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٥٦ - مستدرك زهد علي عليه السلام و عدله
فمنهم الفاضل المعاصر آدم عبد اللّه الألوري في «تاريخ الدعوة الإسلامية في الأمس إلى اليوم» (ص ٧٧ ط دار مكتبة الحياة- بيروت) قال:
و سار على هذه السيرة سيدنا علي الذي تولى الخلافة و
قال: أيتها الدنيا غري بغيري فقد طلقتك ثلاثا.
فتأثر بهذه النزعة إبراهيم بن أدهم الذي حوى الملك و الجاه و المال و الشرف ثم نفض يديه منها و خرج هائما على وجهه يتزهد فيها طالبا عيشة الفقراء و المساكين [١].
[١] قال الفاضل المعاصر خالد محمد خالد في كتابه «في رحاب علي عليه السّلام» (ص ١٨٨ ط دار المعارف بمصر و لبنان):
و إذا كان الولاء للحق يتمثل أول ما يتمثل في قهر الدنيا و التفوق على إغرائها و فتونها، فإن ابن عم رسول اللّه و تلميذه العظيم، قد بلغ في ذلك المدى و جاوز المستطاع.
ها هو ذا،
يخرج إلى سوق الكوفة، و هو خليفة المسلمين و أمير المؤمنين، حاملا أحد أسيافه الأثيرة لديه، الحبيبة إليه عارضا إياه للبيع و قائلا: من يشتري سيفي هذا؟
فو اللّه لو كان معي ثمن إزار ما بعته؟ لما ذا هذه الفاقة، و بيت المال يستقبل كل يوم من أقطار الإسلام مالا غدقا و من حقه كأمير المؤمنين أن يأخذ منه كفايته؟
لما ذا يصر على أن يطحن بنفسه دقيقه؟ و يرقع مدرعته حتى لا يبقى فيها مكان لرقاع جديدة؟
لما ذا لا يأكل الخبز إلا قديدا مخلوطا بنخالته؟ و يهرب من قصر الإمارة بالكوفة إلى كوخ من طين.
نقول لما ذا؟ لأن الولاء للحق، و الزهو بالدنيا لا يجتمعان. و لقد تعلم ذلك من قدوة سلفت، طالما كان يلهج بها ذاكرا، و مذكرا.
تلك القدوة التي لم تغب عن خاطره لحظة من نهار و التي عبر عنها
فقال: في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إذ قبضت عنه أطرافها، و وطئت لغيره أكنافها .. و في موسى كليم اللّه، إذ يقول:رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، و و اللّه ما سأله إلا خبزا