إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٩ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
وجهه، يصليان معا، بعيدا عن أعين القريشيين و أذاهم.
و هناك في رحاب الصحراء الواسعة، حيث لا يرتد البصر أمام حدود أو سدود، و حيث تتنزّل على النفس أسرار الكون العظيم، عاكسة على الشعور جلاله و مجده، كان علي يتلقى من فم الرسول كلمات القرآن و آياته نفسه مرفهة، و عزمه متهلل قلبه جميع، و روحه حر و شخصيته بكل خصائصها الموروثة و المكتسبة، تتلقى تأثيرا لا يقاوم و تستسلم في غبطة مطلقة لهذه الآيات التي آمن بها وحيا و دينا. و آمن بقارئها و تاليها نبيا و رسولا.
من أجل هذا، لا نعجب، إذ رأينا عليا طوال حياته يعطي القرآن ولاء مطلقا و لا يقبل أدنى ميل عنه، و لا يغفر أقل تفريط فيه. إنه ربيب الوحي و التلميذ الأول للقرآن و إنه سابق المسلمين، ألم يسمع القرآن يتساءل في هدير و رهبة:تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آياتِهِ يُؤْمِنُونَ بأي حديث.
إن الفتى الأوّاب ليرتجف من هول التساؤل، و جلال الخطاب و يجيب في صيحة مكظومة: لا بحديث غيرحديثك نؤمن، يا رب كل شيء. و من هذه الآية، و مثلها معها من آيات القرآن العظيم، أشرب قلب علي ولاء للقرآن ليس له نظير.
أ لم يسمع القرآن يحدد للرسول طريقه المستقيم فيقول:ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها، وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ.
إنه أيضا من هذه الآية، و مثلها من آيات القرآن و تعاليم السماء، ليستمد عزما خارقا على أن يسير فوق صراط الحق بخطي ثابتة راسخة أكيدة، متخطيا أهواء الذين لا يعلمون في استقامة قديس، و شموخ مقتدر. لك اللّه أبا الحسن أ كنت تدري، أي معارك ضارية ستخوضها غدا ضد أهواء الذين لا يعلمون؟
من ولائه الوثيق للقرآن، و شهوده فجر الوحي و ضحاه كان علي ربيب الوحي.
و من ولائه الوثيق للإسلام، و سبقه إليه قبل غيره من رجال العالمين كان علي سابق المسلمين. و سابق المسلمين لقب لا يستحقه علي لمجرد سبقه إلى الإسلام. فعلي، هو الذي علم الناس فيما بعد، أنه: ليس الطريق لمن سبق بل لمن صدق. إنما يستحقه لأنه