إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١١ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
و كلما تراءت له مباهجها سدها
بعبارته المأثورة: يا دنيا، إليك عني .. يا دنيا، غري غيري.
و علي في إسلامه، نموذج عظيم مكتمل الشكل و الجوهر. فإذا كان الإسلام عبادة، و نسكا جهادا، و بذلا ترفعا و زهدا فطنة و ورعا سيادة و تواضعا قوة و رحمة عدالة و فضلا استقامة و علما بساطة و تمكنا ولاء و فهما.
إذا كان الإسلام ذلك كله، فإن سابق المسلمين عليا كرم اللّه وجهه كان أحد النماذج الباهرة و النادرة لهذا الإسلام. و من شاء أن يتعرف إلى حياة الإمام و سلوكه، فليقرأ كلماته ذلك أنه لم يكن بين مقاله و فعاله، تفاوت أو تناقض.
أجل لم يكن بين ما يقول، و ما يفعل. بعد و لا مسافة، و لا فراغ.
فإذا حث الناس على الزهد، فلأنّه أسبقهم إليه، و إذا حثهم على البذل، فلأنه أقدرهم عليه، و إذا حثهم على طاعة أية طاعة فلأنه يمارسها في أعلى مستوياتها.
صلى الفجر يوما بأصحابه في الكوفة، و هو أمير المؤمنين، فلما فرغ من صلاته جلس سائما حزينا و لبث في مكانه و مجلسه، و الناس من حوله يحترمون صمته فلا يتحركون حتى طلعت الشمس، و استقر شعاعها العريض على حائط المسجد من داخل. فنهض الإمام علي و صلى ركعتين ثم هز رأسه في أمى، و قلب يده و قال: و اللّه لقد رأيت أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فما أرى اليوم شيئا يشبههم .. لقد كانوا يصبحون و بين أعينهم آثار ليل باتوا فيه سجّدا للّه، يتلون كتابه و يتراوحون بين جباههم و أقدامهم ...
و إذا ذكروا اللّه مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح ... و هملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم.
هذه صورة الماضي العظيم. صورة الأيام الجليلة الرائعة أيام الوحي و الرسالة يعيش فيها علي العابد دوما و أبدا و لا يستطيع الزمن مهما توغل في البعد أيامه و أعوامه أن ينتزع الإمام العابد منها، فهي منسكه و محرابه.
و إنه ليحدث المسلمين عن الإسلام الذي آمن به، و جعله كتاب حياته،
فيقول: تعلموا العلم، تعرفوا به، و اعملوا، تكونوا من أهله .. ألا و إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة و إن الآخرة قد أتت مقبلة و لكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا