إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٠ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
حاز كلتا الحسنيين: السبق و الصدق.
و حين نتتبع مظاهر إسلامه نرى عجبا و حين نستقبل شمائل إيمانه، نستقبل روضات يانعات نتأنق فيهن، و يثملنا عبيرها، و طهرها و تقاها.
و الآن، ما بالكم برجل اختاره الرسول من بين أصحابه جميعا: ليكون في يوم المؤاخاة أخاه؟ و كيف كانت أبعاد إيمانه و أعماقه، حتى آثره الرسول بهذه المكرمة و المزية؟
عند ما تمت هجرة النبي و المسلمين إلى المدينة، آخى الرسول بين المهاجرين و الأنصار و جعل لكل أنصاري أخا من المهاجرين حتى إذا فرغ عليه السلام من دمجهم في هذا الإخاء العظيم رنا بصره تلقاء شاب عالى الجبهة، ريان النفس، مشرق الضمير و أشار الرسول إليه، فأقبل عليه. و بين الأبصار المشدودة إلى هذا المشهد الجليل،
أجلس النبي عليا إلى جواره، و ربت على كتفه، و ضمّه إليه و هو يقول: و هذا أخي.
لقد كان الصديق أبو بكر، و كان الفاروق عمر آنئذ هناك، فهل من حقنا أن نتساءل:
لما ذا لم يختص الرسول أحدهما بهذا الذي اختص به عليا؟ إن تساؤلا كهذا يفسد جلال المشهد و يفوّت علينا رواءه. و المسلم الذي ينشد الأدب مع رسول اللّه و أصحابه يحني هامته إجلالا لهذا الرعيل الأول و الأسبق من أصحابه على حد سواء.
اختار الرسول إذن عليا ليكون في هذه المؤاخاة أخاه، و كل شرف كان الإسلام يضفيه على ابن أبي طالب كان يزيد إحساسه بمسئولياته الدينية شحذا، و قوة. و لم يكن في طول الدنيا و عرضها ما يراه ابن أبي طالب كفوا لأن يكون مثوبة على إسلامه و أجرا.
إن الإمام كرم اللّه وجهه كان يعرف تماما قيمة الذي هداه ربه إليه، و كان من الذين يؤمنون بأن الخير مثوبة نفسه. فالذي يوفق للخير و لحق يكون جاهلا بقيمة الحق و الخير، إذا هو طلب من الدنيا مثوبة و أجرا نظير فعله الخير و حمله راية الحق.
و هكذا حمل علي إسلامه بين جنبيه، و تحت ضلوعه، و في أعماق روحه، و مضى يستصغر شأن الدنيا بكل فنونها و زينتها.