إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢١١ - حديث آخر
النصر بالجور! لا و اللّه لا أفعل ما طلعت شمس، و ما لاح في السماء نجم، و اللّه لو كان المال لي لواسيت بينهم، فكيف و إنما هي أموالهم. ثم سكت طويلا واجما ثم قال: الأمر أسرع من ذلك، قالها ثلاثا.
و قد مال الناس إلى معاوية لأنه كان يبذل كل مطلوب، و يسمح بكل مأمول، و يطعم خراج مصر عمرو بن العاص، و يضمن لذي الكلاع و حبيب بن مسلمة ما يوفي على الرجاء و الاقتراح، و علي عليه السلام لا يعدل فيما هو أمين عليه من مال المسلمين عن قضية الشريعة و حكم الملة، حتى يقول خالد بن معمر السدوسي لعلياء بن الهيثم، و هو يحمله على مفارقة علي عليه السّلام، و اللحاق بمعاوية: اتق اللّه يا علياء في عشيرتك، و انظر لنفسك و لرحمك، ما ذا يؤمل عند رجل أردته على أن يزيد في عطاء الحسن و الحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف عيشهما، فأبى و غضب فلم يفعل.
إن شدة الإمام علي رضي اللّه عنه في السياسة المالية، مبتدئا بتطبيقها على نفسه و أهله نابعة مما عرف عنه من زهد في الدنيا حتى قال عنه عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب، و من تمسكه الشديد بسيرة الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، فهو من أدرى الناس
بأن الرسول عليه السّلام كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، و أنه مات و درعه مرهونة في شعير لقوت أهله أصواع ليست بالكثيرة لم يبت قط في ملكة دينار، و لا درهم، و كان يأكل على الأرض ما وجد، و يخصف نعله بيده و يرقع ثوبه، و أنه كان يقول اللهم احشرني في زمرة الفقراء.
فمنذ بداية حياته كان فقيرا حتى قال نساء المدينة لفاطمة رضي اللّه عنها: زوجك أبوك فقيرا لا مال له،
فقال لها الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما، و أكثرهم علما، و أفضلهم حلما؟ قالت: بلي، رضيت يا رسول اللّه،
و لما أصبح يملك بعد الفتوحات مالا بينبع تصدق به،
فقد قال رضي اللّه عنه: رأيتني و أنا رابط الحجر على بطني من الجوع، و أن صدقتي لتبلغ في اليوم أربعة