إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٢٢ - مستدرك ما ورد في زهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و عدله و سماحته و إنفاقه في سبيل الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و عن نفسه و عن الأئمة من أولاده عليهم السلام و الصحابة و التابعين و علماء العامة
من العدل إذ صاروا فيه، و رأوا صنائع معاوية من أهل الغنى فباعوا أنفسهم و أكثرهم يشتري الباطل، فإن تبذل المال يمل إليك أعناق الرجال و يستخلص ودهم.
فرد الإمام: أما ما ذكرت من عملنا و مسيرتنا بالعدل فإن اللّه عز و جل يقول:مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، و أنا من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف. و أما ما ذكرت أن الحقّ ثقل عليهم ففارقونا، فعلم اللّه أنهم لم يفارقونا عن جور، و لا لجئوا إذا فارقونا إلى عدل. و أما ما ذكرت من بذل الأموال و اصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نؤتى أحدا من المال فوق حقه.
و قدم عليه أخوه عقيل بن أبي طالب من المدينة فقال له: ما أقدمك يا أخي؟ قال:
تأخر العطاء عنا، و غلاء السعر ببلدنا، و ركبني دين عظيم، فجئت لتصلني.
فقال علي: و اللّه ما لي مما ترى شيئا إلا عطائي، فإذا خرج فهو لك.
قال عقيل: أ شخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك؟ و ما ذا يبلغ مني عطاؤك و ما يدفع من حاجتي؟
فقال الإمام: هل تعلم لي مالا غيره؟ أم تريد أن يحرقني اللّه في نار جهنم في صلتك بأموال المسلمين؟ و ما بقي من نفقتنا في ينبع غير دراهم معدودة، و اللّه يا أخي إني لأستحي من اللّه أن يكون ذنب أعظم من عفوي أو جهل أعظم من حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلة لا يسدها جودي.
فلما ألح عقيل عليه، قال لرجل: خذ بيد أخي عقيل و انطلق به إلى حوانيت أهل السوق، فقل له: دق هذه الأقفال، و خذ ما في هذه الحوانيت.
فقال عقيل: أ تريد أن تتخذني سارقا؟
فقال الإمام: و أنت تريد أن تتخذني سارقا؟ أن آخذ من أموال المسلمين فأعطيكها دونهم.
فقال: و اللّه لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك. لآتين معاوية.
فقال الإمام: أنت و ذاك، راشدا مهديا.
فلما قدم على معاوية، رحب به و قال: مرحبا و أهلا بك يا عقيل بن أبي طالب، ما