إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١١٨ - و رواه جماعة مرسلا
و عمر و أبي و عائشة و أبي الدرداء و أبي موسى و غيرهم من الصحابة الذين كان لهم باع طويل في العلم و الفتيا في العهد النبوي و بعده.
و هنا يتبادر إلى الذهن سؤال: إذا كان علي كثير العلم و الفتيا فأين فتاواه و أحكامه إذن؟
في الحقيقة أن فقه علي و فتاواه و أقضيته لم ترو في كتب السنة بالقدر الذي يتفق مع مدة خلافته و لا مع المدة التي كان منصرفا فيها إلى الدرس و الإفتاء في مدة الراشدين قبله، و قد كانت حياته كلها للفقه و علم الدين، و كان أكثر الصحابة اتصالا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقد رافق الرسول و هو صبي قبل أن يبعث عليه السّلام، و استمر معه إلى أن قبض اللّه تعالى رسوله إليه، و لذا كان يجب أن يذكر له في كتب السنة أضعاف ما هو مذكور فيها.
هذا و لقد عزا ابن القيم قلة مرويات علي إلى تزيد بعض الشيعة عليه، فها هو ذا يقول: و أما علي بن أبي طالب عليه السّلام فانتشرت أحكامه و فتاويه، و لكن قاتل اللّه الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه، و لهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه و فتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته و أصحاب عبد اللّه بن مسعود كعبيدة السلماني و شريح و أبي وائل و نحوهم.
بيد أن الإمام أبا زهرة أوضح أن قلة المروي عن علي ترجع إلى محاربة الحكم الأموي لكل آثاره العلمية، و في هذا يقول ما نصه: و إذا كان لنا أن نعرف السبب الذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين بعض مرويات علي و فقهه، فإنا نقول: إنه لا بد أن يكون للحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار علي في القضاء و الإفتاء لأنه ليس من المعقول أن يلعنون عليا فوق المنابر، و أن يتركوا العلماء يتحدثون بعلمه، و ينقلون فتاويه و أقواله للناس و خصوصا ما كان يتصل منها بأساس الحكم الإسلامي. و العراق الذي عاش فيه علي رضي اللّه عنه و فيه انبثق علمه كان يحكمه في صدر الدولة الأموية و وسطها حكام غلاظ شداد لا يمكن أن يتركوا آراء علي تسري في وسط الجماهير الإسلامية، و هم الذين يخلقون الريب و الشكوك حوله، حتى إنهم يتخذون من تكنية