إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٥٩ - مستدرك زهد علي عليه السلام و عدله
أيديهم، بقدر ما هي حق للأغنياء الذين تمتلئ به أيديهم.
و لقد كان الإمام رضي اللّه عنه يضع مبدأه هذا كما يضع كل مبادئه موضع التنفيذ السديد، لا يصرفه عن ذلك تلك الفتن المجنونة حوله، و لا الحرب المتسعرة ضده.
ترى هل كان لسياسته هذه دور في تألّب الأحقاد عليه و انفضاض الذين كانوا أنصاره بالأمس من حوله. هل لعبت مخاوف المسلمين الذين أثروا ثراء كبيرا، و الذين كانوا في طريقهم إلى الثراء دورا غير منظور في محاربة الخليفة الذي رفع هذا الشعار، و هذا المبدأ:
إن اللّه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء.
على أي حال، فقد رحل عن الدنيا الشكل الخارجي للبطل: أما موضوعه الحي و مضمونه النقي، فقد بقيا غذاء للحقيقة و ريا.
و سيظل الإمام حيا في جميع القيم و في كل الحقائق التي عاش يناضل دونها، و مات حاملا رأيتها، سيظل حيا و ماثلا في فضائله و عظائمه التي صاغ منها حياة امتدت إلى الثالثة و الستين، و التي أجاد وصفها ضرار بن ضمرة الكناني، فقال واصفا الإمام: كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، و يحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، و تنطلق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا و زهرتها، و يأنس بالليل و وحشته. كان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفيه و يخاطب نفسه. يعجبه من اللباس ما خشن، و من الطعام ما جشب، و كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، و يبتدئنا إذا أتيناه، و يأتينا إذا دعوناه. و كنا و اللّه مع قربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته، و لا نبتدئه لعظمته. و كان إذا تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين، و يقرب المساكين، لا يطمع القوى في باطله، و لا ييأس الضعيف من عدله. و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، و قد أرخى الليل سدوله، و غارت نجومه و قد مثل في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم و يبكى بكاء الحزين، فكأنى أسمعه و
هو يقول: يا دنيا، يا دنيا، إلي تعرضت، أم إليّ تشوقت؟ هيهات هيهات، غري غيري، قد أبنتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير و عيشك حقير و خطرك كبير، آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق.
لقد كان حظ الإمام مع الناس عاثرا. و لكن حظوظه مع نفسه في طهرها و تقاها،