إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٩١ - مستدرك من عدله و عفوه و سماحته ما أوصاه في قاتله أطعموه و اسقوه و أحسنوا إساره و لا تمثلوا به
أمير المؤمنين. أحسنوا نزله يعني قاتله فإن أعش، فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا و إن أمت، فاضربوه ضربة بضربة. و لا تمثّلوا بالرجل، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: إياكم و المثلة، و لو بالكلب العقور.
و رجل نسك من أرفع طراز، غزير الدمعة من خشية اللّه، دائم الإخبات للّه يلبس أخشن الثياب، و يأكل أجشب الطعام و يحيا بين الناس كواحد منهم.
و كان نسكه كخليفة يتمم نسكه كعابد، فكان يأبى إلا مشاركة الناس في كل ما ينزل بهم من ضرّ و شظف و يخص نفسه من ذلك بالنصيب الأوفى.
و لقد لخص لنا نسك خلافته و إمارته
في هذه الكلمات: أ أقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين، ثم لا أشارك المؤمنين في مكاره الزمان.
و اللّه، لو شئت لكان لي من صفو هذا العسل، و لباب هذا البر، و مناعم هذه الثياب.
و لكن، هيهات أن يغلبني الهوى، فأبيت مبطانا و حولي بطون غرثى، و أكباد حرى.
هذه الومضة من حياته و من عظمة منهجه و سلوكه، تصور على نحو متواضع، القضية التي نهض يقاتل من أجلها قضية استمرار عصر النبوة بكل فضائله و مزاياه، و إنها لقضية جديرة بولاء لا ينتهى، و تضحيات لا تفنى و هي لم تكن بالنسبة للإمام علي قضية خاصة، و لا قضية شخصية. بل هي قضية الإسلام كله، و قضية كل مؤمن أوّاب.
و إذا كانت الأقدار ستؤثره و أبناءه من بعده، بأن يكونوا أعظم شهدائها و أشرف قرابينها، فلتكن مشيئة اللّه. إن هناك من يموتون من أجل الباطل، و من يموتون في سبيل الحق، فما مزية الحق على الباطل في مجال التضحية و الفداء؟ مزيته أن ضحاياه شريفة و رفيعة و غالية بينما ضحايا الباطل صغيرة دنيئة محقرة.
فليكن هو و أبناؤه شرفا للحق في مماتهم و استشهادهم، كما كانوا شرفا له في محياهم، و هكذا كان من الصعب عليه، بل من المستحيل أن يترك قضية الإسلام للأهواء التي هبّت عليه جائحة، جامحة.
كانت المهادنة مستحيلة و كانت المسايرة أكثر استحالة. و لم يكن أمامه سوى أن